لم يأتِ الإسلام بنظرية سياسية كما يزعم دعاة تسييس الدين، وإنما جاء برسالة إيمانية وأخلاقية واجتماعية، حيث انحصرت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الوحي والرسالة، ولم تكن دعوته لتأسيس نظام سياسي بعينه، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. ومن ثم فإن القرآن الكريم، على كثرة ما فصّل في شؤون العبادات والمعاملات وأخلاق التعامل مع الناس، خلا من نص يفرض شكل الخلافة، أو يرسم بناءً سياسياً ملزماً للمسلمين على مر العصور. وانطلاقاً من ذلك، لم تكن الخلافة أصلاً من أصول الدين، وإنما نشأت باعتبارها اجتهاداً سياسياً مصلحياً لإدارة شؤون الاجتماع البشري آنذاك، ويؤكد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سكت عن تسمية خليفة من بعده، ولو كانت الخلافة فريضة شرعية ملزمة، لما ترك أمرها عرضة للاجتهاد.
لقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم القضاء، وإدارة الجيوش، وتنظيم شؤون المجتمع، وما كانت تصرفاته في كثير من الأحيان تشريعاً دينياً ذا صبغة مقدسة، وإنما تدابير دنيوية اقتضتها المصلحة، صدرت عنه كونه مسؤولاً عن تجمع بشري ناشئ يدير شؤونه وفق ظروف عصره.
لقد أدرك الصحابة هذا المعنى، فجاء حكمهم مدنياً قائماً على تدبير شؤون المجتمع وفق ما تقتضيه المصلحة، ولم يعدّوه قضية عقدية. وكانوا يميزون بين ما يصدر عن الرسول وحياً ملزماً، وبين ما يصدر عنه اجتهاداً دنيوياً، حتى كانوا يسألونه في بعض الوقائع: «أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟».
لقد شهد التاريخ نماذج متعددة لتديين السياسة، فظهرت ميثولوجيا الإمامة عند بعض الشيعة، التي رفعت الإمامة إلى مرتبة الأصل الديني، كما برزت الحاكمية عند الخوارج، واتخذت من السلطة قضية عقدية. وأسهم ذلك في نشوء مفهوم «السياسة الشرعية»، وهو بناء بشري متأثر بالفكر الفارسي، ثم أُضفيت عليه لاحقاً صبغة شرعية، حتى بدا وكأنه جزء من التشريع، مع أنه منتج تاريخي لا يمتُ لنصوص الوحي بصلة.
وفي العصر الحديث، عاد تديين السياسة في صورة أكثر أيديولوجية مع نظرية «الحاكمية» لدى جماعات الإسلام السياسي، و«ولاية الفقيه» عند بعض الشيعة، حيث عملت هذه التيارات على أسطرة التاريخ، وحولت الخلافة من تجربة تاريخية بشرية إلى عقيدة، ومنحتها كمالاً وقداسة وصورتها نظاماً معصوماً عن الخطأ، لا تقوم قائمة للإسلام إلا بقيامه. ولترسيخ هذا التصور، اعتمدت على أحاديث تتنبأ بعودة الخلافة على منهاج النبوة، وهي أحاديث واهية، واتخذتها وسيلة لإقناع الناس بأن إعادة الخلافة وعد شرعي محتوم.
أدى ذلك إلى رفع شعارات «الإسلام دين ودولة» و«الإسلام هو الحل» و«الحاكمية»، وهي شعارات زائفة أُريد بها إضفاء القداسة الدينية على مشاريعهم التخريبية.
وحوالي منتصف القرن العشرين، استحدث المودودي مفهوم الحاكمية، وجعلها أصلاً من أصول الإيمان. وسيد قطب، وسّع هذا التصور حتى أصبحت الحاكمية قسماً رابعاً من أقسام التوحيد، معتبراً أن الله هو الحاكم والمالك الوحيد للكون، وأن أي تشريع بشري هو منازعة لله في ملكه.
غير أن المتأمل في لفظ «الحكم» في القرآن، وفي اللغة العربية، يجد أنه دار على معنى القضاء والفصل بين الخصومات، أو العلم والحكمة، ولم يأتِ قط بمعنى السلطة السياسية. فالقرآن يقول في يحيى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾، بينما هو ما كان صاحب دولة ولا سلطان، إنما المقصود آتاه الحكمة والعلم، الأمر الذي يؤكد أن الحاكمية بالمعنى الأيديولوجي تأويل مستحدث لتشويه الدلالة القرآنية.
إنّ قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فقد نزل في سياق القضاء عند أهل الكتاب، وبخاصة بني إسرائيل، فجاءت الآية تعالج تلك الواقعة، ولم تُنزَّل لتأسيس حاكمية، ولا لجعل الحدود والعقوبات الواردة في ذلك العصر غايةً في ذاتها، وإنما شُرعت لتحقيق مقاصدها، وفي مقدمتها الزجر، فتتحقق هذه المقاصد بما يحقق الزجر، دون الوقوف عند صورة تاريخية جامدة.
وعلى الرغم من أن الإسلام لم يأتِ بنظرية سياسية، فإنه أرسى من المبادئ ما يكفل انتظام المجتمع واستقرار الدولة، فدعا إلى السلم، والوفاء بالعهد، وتعزيز الانتماء إلى الوطن، والدفاع عنه، وطاعة ولي الأمر صيانةً للنظام العام ودرءاً للفوضى. لذا تبقى الدولة باعتبارها المجال التدبيري لإدارة الشأن العام ميداناً للاجتهاد والتنمية، ويظل الدين مرجعاً للقيم والمقاصد.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


