قبل أن يجفَّ الحِبر الذي وقّع به الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان «إلكترونياً» وثيقة وقف إطلاق النار، كانت المراوغات قد بدأت لتستبق مفاوضات الـ 60 يوماً التي انطلقت في منتجع بورجنستوك المُطل على بحيرة لوسيرن السويسرية، بحضور الوسيطين الباكستاني والقطري.
بدايةً، فإن الاتفاق المُعلن ليس سلاماً نهائياً، بل هو مجرد هدنة وإطار تفاوضي يمنح الطرفين مهلة للوصول إلى تسوية شاملة، ولذا لا يمكن النظر إليه باعتباره نهاية للأزمة، بل هو نقطة انطلاق لمرحلة أكثر خطورة، فالملفات المطروحة تضم قضايا حسّاسة، وسوف تؤثّر بصورة مباشرة في مستقبل الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
صحيح أن المذكرة المكوّنة من 14 نقطة حققت إنجازات فورية، كرفع الحصار البحري وإعادة فتح مضيق هرمز، لكن الملفات الجوهرية الخلافية، مثل (البرنامج النووي، رفع العقوبات، وكيفية التخلص من اليورانيوم المخصّب) أُرجئت بالكامل إلى طاولة المفاوضات الراهنة.
والملاحظة الأساسية حتى الآن، تعمّق الإحساس بأن التصريحات التي تصدر عن كل طرف، تبدو وكأن كلاًّ منهما يحاور نفسه، فبينما يعلن الرئيس ترامب شيئاً، يقول الإيرانيون شيئاً آخر ينفيه، ووسط هذا التضارب تتوه الحقائق، وهو أمر يعكس أسلوب المراوغة وعدم الجدية في التفاوض، وكأنهما قد اتفقا على اللقاء والتفاوض فقط من أجل التفاوض.
وحتى لا يكون كلامنا في المطلق، فإنه على سبيل المثال، ورغم النجاح «المعلن» للجولة الأولى بقيادة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس للوفد الأميركي ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني واختتام المحادثات الفنية، يتواصل تضارب المواقف والتصريحات بشأن القضايا الخلافية بينهما، ولا سيما تفتيش المواقع النووية.
ففي حين قالت إيران إنها لم تجرِ أي مناقشات بشأن السماح لمفتشي الوكالة الذرية بدخول منشآتها النووية، صرّح ترامب، بأن طهران وافقت بشكل «كامل ونهائي» على الخضوع لأعلى مستويات التفتيش النووي لفترة طويلة في المستقبل، بل وإلى أجل غير مسمى.
هذا التضارب دفع الخبراء إلى التشكيك في قدرة الطرفين على التوصل إلى تسوية نهائية، حيث تواجه المفاوضات مجموعة عقبات يمكنها أن تُعرقل التوصل لاتفاق سلام شامل، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق، ربما تكون هناك شكوك حول تنفيذه.
صحيح هناك أطراف خارجية تعمل على تخريب الاتفاق بين الجانبين كما قال وصرح بذلك الوسيطان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ونظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، لكن نجاح المفاوضات مرهون قبل كل شيء بطرفي التفاوض، ومدى جديتهما واستعدادهما لتقديم تنازلات جوهرية تبني جسور من الثقة، ليس بينهما فحسب، بل وبما يبعث برسائل سلام وأمن وأمان لدول المنطقة، التي وجدت نفسها في قلب حرب ضروس بلا ناقة ولا جمل.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية اللقاء المثمر الذي عقده وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين الخميس الماضي، حيث تعهد روبيو بأن أي ترتيبات مع طهران سوف تتضمن متطلبات دول المنطقة بما يحفظ مصالحها ويضمن أمنها واستقرارها، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول وحُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي.
تعهدات وزير الخارجية الأميركي أكدها البيان المشترك في ختام الاجتماع، والذي جاء فيه (أن تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلّب التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية وطائراتها المُسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة، مشددين على رفض أي استثمار مع إيران مشروط بالتزامها بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوك مزعزع للاستقرار).
جولة روبيو بالمنطقة، والتي توّجها بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أثبتت حضورنا القوي على طاولة المفاوضات، وأن قيادتنا لاعب رئيسي فيها، فلم نَعُد ننتظر من ينوب عنا في اتخاذ قرارات تخصُّ مستقبل أوطاننا، وأبداً لن نكون كأيتام على موائد اللئام، فأمن البلاد خط أحمر وغير مسموح لأي طرف أن يعبث به.
ومن البديهي أن يكون صوتنا مسموعاً بوضوح، فنجاح المفاوضات أو فشلها لن يقتصر أثره على العلاقات الأميركية الإيرانية، وإنما سيمتدُّ إلى أمن الخليج، وأسواق الطاقة العالمية، ومستقبل التحالفات في الشرق الأوسط، بما له من انعكاسات إيجابية على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وحركة التجارة الدولية.
كل الأمنيات أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط، بيد أن السياسة لا تُبنى على الأمنيات وحدها.