تشهد إيران هذا الأسبوع (4-9 يوليو 2026) مراسم تشييع رسمية لعلي خامنئي، الذي قُتل في 28 فبراير 2026 بضربات أميركية - إسرائيلية استهدفت مقر إقامته في طهران، في اليوم الأول من الحرب. أربعة أشهر كاملة تفصل بين المقتل والتشييع، وهذا وحده غير مسبوق في تقاليد النظام. التأخير نفسه مؤشر: مؤسسة الحكم لم تكن جاهزة لهذه الصدمة. نجله مجتبى خامنئي عُيّن مرشداً أعلى من مجلس الخبراء في مارس، لكنه لم يظهر علناً منذ ذلك الحين - لا صورة ولا تسجيل صوتي - وهو ما يفتح الباب لتساؤلات جدية حول مدى هشاشة الانتقال، وحول إصابته هو الآخر في الهجوم.
اللحظة تستحق وقفة أكثر هدوءاً من نشرات الأخبار: كيف وصل نظام «ولاية الفقيه» إلى هنا؟
اغتيال خامنئي كان خلاصة لمسار طويل من الإخفاقات التي يتحمل النظام نفسه مسؤوليتها. لأربعة عقود، أدار «الولي الفقيه» حكماً مغلقاً يستمد شرعيته من تفسير ديني واحد لا يخضع لمساءلة انتخابية حقيقية، مجلس صيانة الدستور وحده يقرّر مَن يصلح للترشح، فتحوّلت الانتخابات إلى طقس شكلي يعيد إنتاج النخبة ذاتها.
في الخارج، راهن النظام على تصدير أزمته عبر «محور المقاومة» - ميليشيات في لبنان والعراق واليمن وسوريا، موّلها وسلّحها بمليارات الدولارات، بينما يرزح شعبه تحت خط الفقر. انهيار «حزب الله» وسقوط النفوذ الإيراني في سوريا كشفا هشاشة هذا المحور بالكامل. عقود من «الردع بالوكالة» لم تحمِ النظام في لحظة الاختبار، بل تركته عارياً أمام ضربة استهدفت رأسه مباشرة.
اقتصادياً: انهيار متكرر لقيمة الريال، تضخُّم مزمن التَهمَ مدخرات الطبقة الوسطى، وإنفاق ضخم على البرنامج النووي والمشاريع الإقليمية بلا شفافية أو رقابة فعلية، وسط شبكات فساد راسخة داخل مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد دون منافسة أو محاسبة. وكلما اهتزت الشرعية الشعبية - من احتجاجات الوقود 2019 إلى انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» 2022 - كان الرد قمعاً دموياً منهجياً خلّف مئات القتلى وآلاف المعتقلين. النمط ثابت: البقاء بالقوة، لا بالإصلاح.
والمفارقة الأوضح: وفاة خامنئي نفسه قوبلت في عدة مدن إيرانية باحتفالات علنية في الشارع - مشهد نادر عند رحيل حاكم، يكشف حجم القطيعة بين النظام وقطاع واسع من مجتمعه بعد عقود من القمع وتقييد الحريات والإعلام.
وثمّة نقطة يصعب تجاوزها: بصرف النظر عن الحكم الأخلاقي على مَن نفّذ الاغتيال، فإن نجاحه يعني فشلاً استخباراتياً وأمنياً فادحاً لنظام أنفق عقوداً على أجهزة أمنية ضخمة تحت شعار «حماية الثورة»، فعجزت في النهاية عن حماية رأس هرمها. أضف هذا إلى الإخفاق العسكري في الرد الفعّال، والإخفاق الاقتصادي في توفير حياة كريمة، والإخفاق السياسي في بناء شرعية تتجاوز القمع - تحصل على نظام استنفد أدوات بقائه الثلاث: الشرعية الدينية، الرّدع الإقليمي، والقدرة الاقتصادية. لم يتبقَّ له سوى الأداة الأمنية - القسرية.
غياب خامنئي، مقترناً بغياب خليفته المعلن عن المشهد العام منذ مارس الماضي دون ظهور علني واحد، يكشف أن الحرس الثوري هو مَن يدير البلاد فعلياً خلف واجهة دينية شكلية. أُعلن عن «مجلس قيادة انتقالي» يضم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية وعضواً من مجلس الخبراء، لكن التقارير تشير إلى أن الحرس هو من فرض إيقاعه الخاص وضغط لحسم اختيار القائد الجديد في أيام معدودة - بلا شفافية دستورية حقيقية، وبمؤسسة عسكرية - أمنية تفرض إرادتها على عملية يُفترض أنها دينية- تمثيلية.
عملياً، هذا يعني أن «ولاية الفقيه»، كإطار نظري ادّعى تأسيس حكم ديني عادل، تحولت إلى غطاء شكلي فارغ لحكم عسكري- أمني مباشر، تقوده مؤسَّسة لا تخضع لرقابة مدنية، وتسيطر على الاقتصاد والإعلام والقضاء والسياسة الخارجية معاً. الادعاء التأسيسي بأن النظام قائم على «الفقيه العادل» الحامي لمصالح الأمة يسقط عند أول اختبار حقيقي: السلطة الفعلية آلت إلى مَن يملك السلاح، لا مَن يملك الشرعية الدينية المزعومة.
واللافت أن الخطاب الرسمي الإيراني بعد الحرب لم يحمل أي مراجعة ذاتية جدية لأسباب الهزيمة الاستخباراتية والعسكرية. بدلاً من ذلك، جاءت نبرة تصعيدية صريحة: حديث عن «دماء الإمام الشهيد»، وضرورة أن يبقى «نداء الانتقام» حاضراً عالمياً، ومراسم تشييع رافقتها لافتات ورموز عسكرية وصور صواريخ باليستية، وهذا توظيف مأساة إنسانية وحداد جماعي كوقود دعائي، بدل أن يكون مناسبة للمساءلة.
هذا نمط معروف أكاديمياً في الأنظمة السلطوية التي تواجه أزمة شرعية حادة: تصعيد لهجة العداء الخارجي كآلية تعويضية، لصرف الأنظار عن الإخفاق الداخلي وتجنّب محاسبة المسؤولين عن الكارثة التي أودت بحياة المرشد نفسه. والمفارقة أن هذا التصعيد اللفظي يأتي في وقت تبدو فيه إيران أضعف عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً من أي وقت منذ الثورة - أذرعها الإقليمية تفكّكت، اقتصادها منهار، وعزلتها الدولية تتصاعد. هذا الخطاب أقرب إلى صرخة بقاء نظام يشعر بهشاشته الوجودية، منه إلى تعبير عن قوة أو استراتيجية ردع قابلة للتطبيق.
وفي المقابل، تقدّم مقاربة دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً جديراً بالدراسة للسياسة الخارجية في أوقات الأزمات الحادة. وطوال أشهُر الحرب، حافظت الإمارات على خط دبلوماسي متزن: لم تنجرّ إلى تصعيد عسكري مباشر، أبقت قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، واستمرت في نهج تنويع اقتصادي واستثماري لم يتأثر جوهرياً بالاضطراب الإقليمي. ويمكن تفسير هذا في إطار نظرية تقديم الاستقرار والانفتاح الاقتصادي على المغامرة الجيوسياسية - وهو ما مكّن الإمارات من كسب ثقة جميع الأطراف، والحفاظ على مكانتها كمركز مالي ولوجستي إقليمي، دون الانجرار إلى الاستقطاب الحاد بين إيران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.
يقف النظام الإيراني عند مفترق طرق: إما أن يستثمر لحظة الفراغ في القيادة لإعادة صياغة عقده الاجتماعي الداخلي وتخفيف حدة المواجهة الخارجية، أو يمضي أعمق في الهيمنة الأمنية بقيادة الحرس الثوري وخطاب المواجهة - وهذا هو المسار الذي ترجّحه المؤشرات الحالية. أما على المستوى الإقليمي، فالتجربة الإماراتية تقدّم درساً مهماً حول قيمة الاستقرار والبراغماتية الدبلوماسية في زمن الاضطراب.

*مستشار برلماني