قبل أيام، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قراراً بإعادة تشكيل مجلس الشؤون الإنسانية الدولية، برئاسة سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، ويختص المجلس (الذي صدر قرار تأسيسه عام 2024) بدعم وتنسيق الجهود الإماراتية في مجال العمل الإنساني والإغاثي حول العالم، إضافة إلى إشرافه على إعداد المبادرات الخيرية وتنفيذها.

يقيناً، نجحت الإمارات وقيادتها بامتياز في رسم صورة ذهنية إيجابية ورائعة في وجدان الناس، وحفرت في قلوبهم مكانة متميزة بما تزرعه من أمل، وما تمدُّ به أيديها من خير إلى المنكوبين حين تضيق بهم الأرض، وتشتدُّ عليهم المحن، ورسّخت الدولة مكانتها كإحدى أبرز عواصم العمل الخيري في العالم، حتى غدت الإنسانية عنواناً ملازماً لاسمها، وأصبحت مبادراتها الإغاثية جسراً تعبر به إلى كل مكان. أحدث التحركات جاءت حينما وقع زلزالان قويان قبالة الساحل الشمالي لجمهورية فنزويلا، وقد تسبّبا بحسب الحصيلة الرسمية في أضرار ودمار طال أكثر من 59 ألف مبنى، وتجاوز عدد الضحايا 2000 قتيل، فيما تشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 50 ألفاً ما زالوا في عداد المفقودين، وسط توقعات بارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.

وعلى الفور، وبتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قدّمت وكالة الإمارات للمساعدات الدولية للإغاثة 10 ملايين دولار، إسهاماً في تسريع جهود التعافي، وتوفير الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية الضرورية والمستلزمات الطبية والإغاثية المتنوعة للفئات المجتمعية كافة.

التحرك السريع للدولة في مثل هذه المناسبات جعلها تتربّع على عرش أعمال الخير، حتى إن المنظمات الدولية نصّبتها عاصمة للإنسانية بجدارة، حيث تتدفق المساعدات كأنهار عطاء جارية لإغاثة المنكوبين، ضمن استراتيجية الأخوّة الإنسانية التي تنتهجها الإمارات وتترجمها بأفعال ملموسة على أرض الواقع. ومن فنزويلا إلى الفلبين، مروراً بأفريقيا وحتى غزة، وعلى امتداد الخريطة تواصل الإمارات جهودها الإنسانية والإغاثية لدعم المتضررين من الكوارث والأزمات، انطلاقاً من نهج راسخ يقوم على سرعة الاستجابة وتقديم المساعدات دون تمييز لنجدة المتضررين من الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية والحروب والصراعات.

ففي ذات الوقت، تواصل الدولة دعمها المتضررين من آثار الزلزال الذي ضرب الفلبين 8 يونيو الماضي، جنباً إلى جنب مع تقديمها المساعدات الإنسانية المتنوعة للمتضررين من فيضانات الفرات في سوريا، وذلك لدعم مختلف الأُسر المتأثرة والشرائح المجتمعية لضمان التعافي المبكر. ليس هذا فحسب، فالإمارات أيضاً حاضرة وبقوة في قلب القارة السمراء، تعزيزاً لجهود منظمة الصحة العالمية لاحتواء خطر فيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية وأوغندا.

في مناطق الحروب والنزاعات، كانت «فزعة الإمارات» أكثر حضوراً وإلحاحاً، حيث تتواصل ومنذ عدة أشهر أكبر مبادرة إنسانية لدعم قطاع غزة، تحت شعار «الفارس الشهم 3»، وتسجّل المنظمات العالمية للإمارات أن ما قدّمته وصل إلى أكثر من 46% من إجمالي المساعدات الدولية المُقدمة للقطاع، بمساهمات مالية بلغت نحو 3.1 مليار دولار. هذا النهج ليس مستحدثاً، بل امتداد طبيعي لإرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فمنذ تأسيسها عام 1971، وضعت الإمارات العمل الإنساني في صميم سياستها الخارجية، وبلغ إجمالي مساعداتها منذ ذلك الوقت نحو 360 مليار درهم (نحو 98 مليار دولار) استفاد منها أكثر من مليار إنسان.

وتعزيزاً لريادتها الإنسانية، قدّمت الإمارات في ديسمبر الماضي، 550 مليون دولار لدعم خطة الاستجابة الإنسانية الشاملة التي أطلقتها الأمم المتحدة، والتي تهدف إلى تقديم الإغاثة لما يقارب 135 مليون شخص في 23 عملية إنسانية حول العالم، بالإضافة إلى خطط مخصّصة لدعم اللاجئين والمهاجرين. مبادرات ملهمة عزّزت مكانة الإمارات في مجال العمل الإنساني، وجعلتها تنفرد لسنوات بالمركز الأول كأكبر جهة مانحة للمساعدات الخارجية في العالم قياساً إلى دخلها القومي، انطلاقاً من قناعة راسخة لدى القيادة بأن نجدة الملهوف واجب أخلاقي، وأن العمل الإنساني هو رسالة حضارية تعكس أخلاق الأمم ومستوى رقيها.

وفي كل أزمة، مبادرات الإمارات تصنع الأمل وتضمّد الجراح وتخفّف الوجع، ومن قلب الألم تحت الركام، تمتد أيادي الإمارات البيضاء بالعون والإغاثة، مؤكدة أن الإنسانية فوق كل اعتبار، وأن «فزعة» الخير لا تعرف حدوداً ولا تنتظر مقابلاً. إنّ ريادة الإمارات في ملف الإغاثة ليس محلَّ شكٍّ، هذه حقيقة واضحة لا تحتاج إلى دليل، كالشمس في كبد السماء، لا ينكرها إلا جاحد.