حين اعتدنا أن تُقاس قوة الدول بعدد جنودها، وحجم ترساناتها، وقدرتها على الردع، بدا كأن مصادر القوة معروفة لا تتغير. ولكن العالم، بين الحين والآخر، يعيد ترتيب أولوياته على نحو لا يخطر على البال. فعلى مدار القرن العشرين، كان النفط هو الورقة الأكثر تأثيراً في معادلات القوة، ثم جاءت التكنولوجيا لتتصدّر المشهد باعتبارها محرّكاً رئيسياً للتنافس بين الدول. واليوم، تتقدّم المياه لتصبح أكثر الموارد تأثيراً في حسابات الأمن والسياسة، بل وحتى الاقتصاد، ليبقى السؤال الأهم: هل سنشهد مرحلة جديدة تتحوّل فيها الموارد من عناصر للتعاون إلى أدوات في إدارة الصراع؟لعلّ الخلاف المتجدّد بين باكستان والهند حول مياه نهر السند يقدّم أوضح صورة لهذا التحوّل، فعلى امتداد عقود، ظل نهر السند استثناءً في علاقة متوتّرة اتّسمت بالخصومة المزمنة، إذ نجحت معاهدة مياه نهر السند التي وُقّعت سنة 1960، في تحييد هذا المورد الحيوي عن الخلافات السياسية والعسكرية، لتظل واحدة من أكثر الاتفاقيات صموداً، رغم تعاقب الأزمات. لكن المياه لم تَعُد بمنأى عن حسابات الردع والسيادة، بل أصبحت تدخُل تدريجيًّا في صميم معادلات القوة الإقليمية.
ولا يعكس هذا التصعيد مجرد خلاف على تقاسم الموارد، وإنّما يشير أيضاً إلى تحوّل أعمق في إدراك الدول للقيمة الاستراتيجية للمياه. فحين ترتبط قطرة الماء بمفاهيم السيادة والردع، فإن طبيعة الصراع نفسه تتغير، وتصبح الجغرافيا لاعباً أساسياً لا يقلّ حضوراً عن السياسة.
في هذا السياق، لم يَعُد نهر السند مجرد مجرى مائي يعبُر الحدود، وإنّما أصبح اختباراً لقدرة الإرادة السياسية على حماية ما تصنعه الطبيعة، واختباراً لحكمة تدرك أن الأنهار التي تجمع الجغرافيا قد تتحوّل، إذا غابت الإرادة السياسية، إلى خطوط فاصلة بين مستقبلين: أحدهما يراهن على التعاون، فيما يُترَك الآخر للمياه لتحمل معها أعباء صراع لا تنتهي. وقد تستمر مياه السند في الجريان كما اعتادت منذ آلاف السنين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ليس: إلى أين تتجه المياه؟ وإنّما إلى أين تتجه السياسة؟ فحين تدخُل الأنهار إلى حسابات الردع، تصبح المحافظة على تدفّقها مسؤولية تتجاوز البعد الإقليمي، وتمتد إلى النظام الدولي الذي سيجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، أمام تحديات جديدة عنوانها: الأمن المائي.
ويبدو أن ثمة اتجاهاً عالمياً آخذ في الاتساع، تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية المشتركة في مناطق مختلفة. ففي الشرق الأوسط، تتجدّد الخلافات بين تركيا والعراق وسوريا حول تدفقات نهرَي دجلة والفرات، في ظل تأثير مشاريع السدود على حصص دول المصبّ. وفي غرب آسيا، تصاعد التوتر بين إيران وأفغانستان بشأن مياه نهر هلمند، حتى بلغ في بعض المراحل اشتباكات حدودية محدودة. كما تشهد آسيا الوسطى خلافات متكرّرة بين دول المنبع والمصبّ حول إدارة الأنهار المشتركة، بينما تواجه الولايات المتحدة والمكسيك ضغوطاً متزايدة بشأن تقاسم مياه نهرَي كولورادو وريو غراندي، في ظل موجات الجفاف المتفاقمة. وعلى اختلاف هذه الحالات، فإنها تعكس حقيقة واحدة: المياه لم تعُد مجرد مورد طبيعي مشترك، وإنما أصبحت عنصراً متقدّماً في حسابات الأمن القومي، ومجالاً متزايداً للتنافس الجيوسياسي.
ربّما تكمن المفارقة في أن المياه لا يمكن احتكارها بسهولة، ولا يمكن استخدامها بالطريقة نفسها التي تُستخدَم بها أدوات القوة الأخرى، فهي مورد مشترك تفرض الطبيعة قوانينه، قبل أن تفرضها السياسة. ومن هنا، تتحوّل الجغرافيا إلى عامل مؤثر في الصراعات بين الدول، إذ قد يبدأ الخلاف حول الأنهار والموارد المائية المشتركة، ثم يتطور إلى أزمة سياسية واقتصادية تمتدّ آثارها إلى دول العالم. ويتّضح أن الصراع لا ينشأ من الموقع الجغرافي ذاته، وإنّما من غياب الاتفاقات العادلة لإدارة هذه الموارد، أو من استخدامها وسيلةً للضغط السياسي والاقتصادي بين الدول. وما نشهده اليوم ليس مجرد نزاعات متفرّقة على المياه، وإنّما اكتشاف جذري لدور الجغرافيا في تشكيل موازين القوى بين الدول.
*باحثة- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


