منذ 134 يوماً، تعيش المنطقة واحدة من أخطر موجات التصعيد التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات. حرب أشعلها النظام الإيراني ثم عمل على إطالة أمدها بالخداع والمماطلة والعدوان. والآن، انهارت الهدنة من جديد، ولم يكن في ذلك أي مفاجأة.
طهران توقّع ثم تماطل ثم تصعّد، وفي كل مرة تدفع المنطقة الثمن. هذا ليس سلوك دولة تبحث عن حل ولا طريقة طرف جاد في التفاوض. هذه هي الطريقة التي يعمل بها النظام الإيراني منذ عقود: وعود لا تُحترم، اتفاقات تُستغل لكسب الوقت، ثم جولة جديدة من التهديد والعنف.
كان من المفترض أن تفتح مذكرة التفاهم التي وُقعت في منتصف يونيو باباً للمفاوضات لمدة 60 يوماً. لكن قبل أن تمضي تلك المهلة، تبادلت إيران والولايات المتحدة الهجمات في أخطر تصعيد منذ توقيع الاتفاق. وهذا هو الانتهاك الكبير الثالث خلال أقل من شهر.
المشهد نفسه يتكرر: توقيع، تأخير، ثم ضربة في اللحظة التي يعتقد فيها الطرف الآخر أن باب التهدئة ما زال مفتوحاً.
ومنذ وقف إطلاق النار في يونيو، اتجه النظام الإيراني إلى فرض أمر واقع جديد في مضيق هرمز. بدأ يفرض مسارات غير قانونية على السفن التجارية، ويفرض عليها رسوماً باهظة، ويتعامل مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم كما لو كان ملكية خاصة للحرس الثوري.
وفي يومي 6 و7 يوليو الجاري، هاجمت أذرع إيران ثلاث ناقلات، وهو ما أدى إلى رد أميركي كان متوقعاً ومبرراً. ثم أعلنت طهران عن كيان سمّته «هيئة مضيق الخليج الفارسي»، وبدأت تطالب السفن بدفع ما يصل إلى مليوني دولار مقابل العبور، باليوان أو البيتكوين أو عملة USDT.
هذه ليست رسالة سياسية ولا استعراضاً تفاوضياً. هذه قرصنة مكتملة الأركان. نظام يبتز السفن التجارية ويفرض الأموال على الملاحة الدولية، ثم يطالب العالم بأن يتعامل معه بوصفه شريكاً في السلام.
أما «حزب الله» الإرهابي، ذراع الحرس الثوري في المنطقة، فلم يحتج إلى وقت طويل كي يفضح حقيقة الموقف الإيراني. فقد رفض حتى الاتفاق المحدود لوقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة، وهاجم ما سُمّي باتفاق المنطقة التجريبية.
حين ترفض أذرع النظام المسلحة الاتفاق بعد ساعات من الإعلان عنه، لا يعود ممكناً فصل ما يقوله الدبلوماسي الإيراني عما تفعله الميليشيات التابعة لطهران. الطرفان يعملان ضمن المنظومة نفسها، وكل واحد منهما يؤدي دوره. وفي الوقت نفسه، يواصل المسؤولون الإيرانيون إطلاق التهديدات أثناء المفاوضات نفسها. نواب ومسؤولون أمنيون يتحدثون عن «صفعة قاسية» للولايات المتحدة، وكأن التفاوض ليس بحثاً عن مخرج، بل مجرد فرصة لترتيب الضربة التالية.
المشكلة ليست بسوء تفاهم، ولا بخلافٍ بين جناح معتدل وآخر متشدد، كما يحب بعضهم أن يكرر. المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
النظام الإيراني قام على فكرة الثورة الدائمة، وعلى اعتبار الصراع مع الغرب والعرب في الخليج جزءاً من هويته السياسية. ولم يبنِ شبكة الميليشيات من أجل الدفاع عن نفسه، بل من أجل أن تخوض الحروب من خلف الحدود، وأن ينكر مسؤوليتها متى احتاج إلى ذلك.
«حزب الله»، و«الحوثيون»، والميليشيات العراقية، ليست جماعات خرجت عن سيطرة طهران. هذه أدوات صُنعت لهذا الغرض تحديداً: أن توقّع إيران الاتفاق بيد، ثم تضرب باليد الأخرى.
حتى حين كان الرئيس الإيراني يوقّع ما سُمّي باتفاقات للسلام، كان «حزب الله» يطلق الصواريخ على الجيران بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب. لم يكن ذلك تناقضاً في السياسة الإيرانية، بل كان تطبيقاً دقيقاً لها.
يتحدث النظام عن التهدئة حين يحتاج إلى الوقت، ويهدد بالحرب حين يشعر أنه استعاد زمام المبادرة. يطلب تخفيف العقوبات، ثم يستخدم الأموال والنفوذ لتمويل الميليشيات. يقدّم نفسه طرفاً مظلوماً، بينما يبتز السفن، ويهدد الدول، ويدفع المنطقة من أزمة إلى أخرى.
لا عقوبات خُففت، ولا اتفاقات وُقعت، ولا تنازلات قُدمت، استطاعت أن تغيّر هذا السلوك. والسبب بسيط: الخداع والمواجهة ليسا خللاً داخل النظام، بل هما من أسباب بقائه. هذا نظام يعيش على الفوضى. يحتاج إلى عدو دائم، وأزمة دائمة، وحرب لا تنتهي؛ لأن الهدوء يفضح فشله في الداخل، وفساده، وقمعه، وعجزه عن تقديم أي نموذج حقيقي لشعبه.
في الجهة الأخرى، سلكت دولة الإمارات نهجاً مختلفاً تماماً. حافظت على موقف دفاعي واضح، ولم تنجر إلى المواجهة إلا حين أصبحت أراضيها وأمنها عرضة للخطر المباشر. والأمر نفسه ينطبق على بقية دول الخليج الشقيقة. هذه الدول لا تقوم شرعيتها على تصدير الثورة، ولا تحتاج إلى حرب مستمرة كي تبرر وجودها. هي تدخل المواجهة حين تُفرض عليها، لا لأنها ترى في الفوضى مشروعاً دائماً للدولة.
لقد بنت الإمارات اقتصاداً حقيقياً وفتحت أبوابها للتجارة والاستثمار، وأقامت علاقات تقوم على المصالح والالتزام، وراكمت سمعة دولية بوصفها دولة يمكن الوثوق بكلمتها. وهذا النموذج لا يمكن أن يعيش وسط البحار المغلقة والسفن المهددة والميليشيات المنفلتة، والاتفاقات التي لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
الإمارات تحتاج إلى الاستقرار لأنها تبني. أما النظام الإيراني فيحتاج إلى الفوضى لأنه لا يعرف كيف يعيش من دونها.
وعندما تحتاج المنطقة إلى طرف يفي بما يقول، ويعرف معنى الالتزام، فإن سجل أبوظبي يتحدث عن نفسه.
وفي المقابل، لا تملك طهران إلا قائمة طويلة من الوعود المنكوثة والهدن المنهارة والسفن المستهدفة، والدول التي دفعت ثمن الثقة بها.
درس هذا الأسبوع ليس جديداً، لكنه صار أوضح من أي وقت مضى: لا قيمة لأي اتفاق يوقّعه نظام يرى في الاتفاق مجرد استراحة قبل الجولة التالية. طهران لا تفاوض بحسن نية. هي تتسلل وتؤجل وتبتز، ثم تضرب. والمنطقة تجاهلت تحذيرات أبوظبي طويلاً، فدفعت الثمن.
كان يجب الاستماع إلى القيادة الرشيدة في العاصمة أبوظبي منذ البداية. أما الآن، فقد آن الأوان للتوقف عن منح الملالي فرصاً جديدة لممارسة اللعبة نفسها، والوقوف إلى جانب الدول التي تريد للمنطقة أمناً حقيقياً واقتصاداً مزدهراً، ومستقبلاً لا تحكمه الميليشيات.
*مستشار برلماني


