اختار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة لتكون أولى وِجهاته الخارجية «الرسمية»، في الفترة من 13-16 مايو الحالي، ليبرهن على «مدى أهمية هذه الدول، اقتصادياً واستراتيجياً، بالنسبة للولايات المتحدة»، التي باتت تُعوّل على الدور الخارجي المتنامي للدول الثلاث، التي تقود ما بات يُعرف ب «لحظة الخليج»، في تحقيق الاستقرارَين الإقليمي والدولي.وقد تضمّنت جولة ترامب الخليجية عدة ملفات اقتصادية وسياسية واستراتيجية مهمّة للطرفين، بدايةً من التعاون الاقتصادي وسياسات الطاقة والذكاء الاصطناعي، مروراً بالمفاوضات النووية الأميركية- الإيرانية والصفقات الدفاعية والضمانات الأمنية، وصولاً إلى سائر القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدّمتها حربا غزة وأوكرانيا.

وقد تداولت القمّة الخليجية-الأميركية الخامسة، التي عُقدت في 14 مايو، بمدينة الرياض، هذه الملفّات جميعاً، ما أعطى دفعة قوية للشراكة الاستراتيجية بين الطرفين.
كما رسخت نتائجُ زيارة ترامب الشراكةَ الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة، ودفعتها قدُماً إلى الأمام. ففي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 120 مليار دولار.

وفي جولة ترامب الخليجية، بلغت قيمة التعهدات الاستثمارية الخليجية والاتفاقيات والصفقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة، وكلٍّ من السعودية وقطر ودولة الإمارات، نحو 3.2 تريليونات دولار قابلة للزيادة، في مجالات متنوعة، بدءاً من الدفاع والطاقة وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا الصدد، تم إبرام اتفاقيات بليونية بين الولايات المتحدة والدول الثلاث، وإطلاق استثمارات خليجية كبيرة الحجم في مجال الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الملف تحديداً، برزت الشراكة القوية بين الولايات المتحدة ودولة الإمارات، بوصفها الدولة الرائدة إقليمياً وعالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تم الإعلان، خلال زيارة ترامب لدولة الإمارات، عن بناء أكبر مجمع إماراتي- أميركي للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، بِسِعة قدرها 5 غيغاواط في أبوظبي، وتأسيس «شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي بين دولة الإمارات والولايات المتحدة». ويمثّل هذا المشروع، الذي شهد تدشينَه صاحبُ السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والرئيس الأميركي، مكسباً كبيراً لدولة الإمارات، التي تسعى لأن تصبح لاعباً عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي، كما أنه يعكس في الوقت ذاته ثقة إدارة ترامب الكبيرة بمكانة دولة الإمارات وقدراتها، بوصفها أهم حليف موثوق به لواشنطن.
علاوة على ذلك، فإنّ جولة ترامب الخليجية، وما شهدته من صفقات دفاعية متطورة وكبيرة الحجم، بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الثلاث، جدّدت الالتزام الأميركي بأمن الخليج، وهو الأمر الذي أُثيرت حوله الشكوك خلال الإدارات الأميركية السابقة، وأعادت منطقة الخليج العربي إلى صدارة الاهتمامات الجيوسياسية العالمية للولايات المتحدة.

والأهم من ذلك، أنّ الإعلان الـ «كبير جدّاً»، الذي وعد ترامب بالإفصاح عنه في السعودية، ويتعلّق برفع العقوبات عن سوريا، ولقائه الرئيس السوري في الرياض، حمَل دلالةً سياسةً واضحة على ثقَِل دول الخليج، وقدرتها على تغيير التوجهات الاستراتيجية في المنطقة لصالح القضايا التي تدافع عنها، حيث تقود هذه الدول إعادة إدماج سوريا «الجديدة» في النسَقَين الإقليمي والدولي.
إنّ زيارة ترامب لمنطقة الخليج العربي، وما أفرزته من نتائج غير مسبوقة، ترسم ملامحَ مرحلة جديدة من الشراكة الشاملة والتحالف الاستراتيجي الوثيق بين الجانبَين الخليجي والأميركي، شراكة لا تخدم فقط مصالح الطرفين، وإنّما تخدم الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بالكامل.
الرئيس التنفيذي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.