جاء قرار استحداث مادة «الذكاء الاصطناعي» في دولة الإمارات العربية المتحدة لتكون جزءاً من منظومة التعليم المدرسي بمراحله كافةً، وذلك على نحوٍ مدروس بمحاور مفصلة ومتكاملة، وتُقدَّم للطلبة تدريجيّاً عبر المراحل التعليمية، بما يضمن جودة مخرجات التعلم وفاعليته في هذا المجال الحيوي. ويحاكي هذا التوجّه ما جرى قبل أكثر من عقدين حين أُدرجَت مادة «علوم الحاسب» في المدارس، في خطوة استباقية هدفَت إلى إعداد ذلك الجيل للتعامل مع معطيات الثورة المعلوماتية.
ولا تقتصر فوائد هذه المادة على الطلبة فقط، بل تشمل المعلمين أيضاً الذين سيجدون أنفسهم أمام مسار حتمي للتطوير المهني، عبر إعادة النظر في أساليب التدريس، وتحديث المناهج بما يتواءم مع المعطيات التقنية المستجدة، ومتطلبات بيئة التعليم المتغيرة. ومن هذا المنطلق يتجلّى التحول التربوي بصورة متكاملة عبر الأجيال في إطار من التبادل المعرفي العميق لهذا العلم المتسارع.
وقد أُعِدَّت محاور مادة «الذكاء الاصطناعي» إعداداً متدرجاً يبدأ بالمبادئ الأساسية، مروراً بالتمرينات والتطبيقات العملية، مع تركيز واضح على أخلاقيات استخدام هذا الذكاء بما يُسهم في مضاعفة الفوائد وتقليص الآثار السلبية المحتملة، ويتشكل من ذلك المبدأ الرئيسي الذي يقوم على دمج التربية والتعليم في منظومة واحدة لا تقبل التجزئة. وتكمن أهمية إدراج هذه المادة كذلك في قدرتها على دعم بحوث العلوم المتقدمة، كالصناعات النانوية، وتقنيات الاستدامة، وتسريع الخدمات، وتحقيق قفزات نوعية في جودة المنتجات المقدمة للبشرية خلال مدة زمنية قصيرة، بما يعزّز من تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بطريقة مترابطة وتكاملية.
وفي هذا السياق يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز القاعدة المعرفية التي يملكها الطلاب، وتنميتها، لتغدو قوة دافعة وفاعلة في الارتقاء بجوانب الحياة البشرية كافة، ولا سيّما الاقتصادية، والاجتماعية، والصناعية. ويُعد من الصعب مواكبة متطلبات الثورة الصناعية الخامسة من دون تمكين الجيل من امتلاك الأدوات الضرورية لتسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوجيهها لخدمة المصلحة العامة، بما يضمن رفاهية الأفراد واستقرار المجتمعات.
وتستلزم هذه المنظومة التكاملية شمول الخدمات الصحية، وتلبية احتياجات مختلف الشرائح، وتحقيق نقلة نوعية في جودة التكنولوجيا المعتمدة، بما يخفف من الأعباء المعيشية، ويُسهم في تيسير الإجراءات، ويعزز جودة الحياة، مع الإبقاء على عنصر خفض التكلفة، وسرعة تقديم الخدمات، ورفع مستويات الجودة، إضافة إلى دعم التعافي البيئي. ولا يخفى على الباحثين دور الذكاء الاصطناعي في عدد من الأمور ذات الأولوية القصوى، مثل تقييم تغير ممارسات البشر في ظل تحول السياسات البيئية عبر الزمن، وانعكاس ذلك على مؤشرات التعافي البيئي، مثل تحسين كمية خزانات المياه الجوفية وجودتها.
وتأتي في هذا السياق المقترحات الفعالة من الذكاء الاصطناعي - الذي دربه البشر لخدمتهم بعد استقراء ملايين البيانات المختصرة والواضحة -، التي تبين مدى فاعلية تلك السياسات، وما يجب فعله للوصول إلى أفضل التحسينات . وسيقوم الذكاء الاصطناعي مع التحديثات المكثفة من البشر على سد الفجوات في البيانات التاريخية البيئية المهمة سدّاً منطقيّاً ومقبولاً، وهو ما يمكن الوصول إليه بوجود التعليم المنهجي الشامل والمتكامل للذكاء الاصطناعي كما أقرته وخططت له دولة الإمارات العربية المتحدة في مدارسها بمختلف مراحل التعليم، من رياض الأطفال إلى المراحل العليا.
د. دلال مطر الشامسي*
*أستاذ مشارك في قسم علوم الأرض - مدير المركز الوطني للمياه والطاقة بجامعة الإمارات العربية المتحدة.


