شهدت العقود الأخيرة تحوُّلات جوهرية في الاستراتيجيات الدفاعية، تمثلت في إعادة تشكيل أساليب الاستجابة لتغيرات الحرب، والبيئة الاستراتيجية، والتكنولوجيا، وطبيعة التهديدات.
ولم تَعد هذه الاستراتيجيات مقتصرة على التعامل العسكري التقليدي فقط؛ بل باتت ترتكز على مفاهيم أكثر شمولاً تضم الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية الوقائية، والجاهزية الوطنية والمجتمعية. وقد أصبح الدفاع في العصر الحديث أحد المكونات التي تعكس هوية الدولة، وأداةً فاعلة في دعم رؤيتها التنموية، وتوجيه قراراتها السيادية داخلياً وخارجياً.
وفي هذا الإطار تمثِّل دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً لاستراتيجية دفاعية حديثة؛ تتكامل فيها القدرات العسكرية مع الابتكار التقني والجاهزية المجتمعية؛ بما يعكس انتقالاً من المفهوم التقليدي للدفاع إلى منظومة ذكية وشاملة تستند إلى المعرفة والتكنولوجيا؛ وهذا ما يقتضي تحليل أبرز ملامح التحول في الاستراتيجيات الدفاعية المعاصرة، مع التركيز على النموذج الإماراتي بصفته نموذجاً تطبيقياً يعبِّر عن هذا الاتجاه ضمن سياق التحولات العالمية المتسارعة في بنية الأمن والدفاع.
وقد اتسمت المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتحولات استراتيجية جذرية في النظام الدولي، تمثَّلت في اعتماد الولايات المتحدة الأميركية سياسة «الردع والانتشار» ركيزةً أساسيةً لأمنها القومي؛ وهو ما تجلَّى في وثيقة الأمن القومي الأميركي لعام 1950 (NSC-68) التي أرست مبادئ سياسة الاحتواء؛ وأسَّست لانتشار قواعد عسكرية أميركية على امتداد الخريطة الدولية، لا تزال قائمة حتى اليوم؛ إذ تشير بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الولايات المتحدة شكَّلت نحو 69% من إجمالي الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو عام 2022. أمَّا اليابان؛ فقد اتبعت نهجاً مغايراً يقوم على الحياد الدفاعي والامتناع عن استخدام القوة بموجب المادة التاسعة من دستورها؛ إلا أن التحولات الإقليمية دفعت طوكيو عام 2022 إلى إعادة النظر في هذا التوجُّه؛ فأقرَّت خطة دفاعية غير مسبوقة تستهدف رفع الإنفاق الدفاعي تدريجيًّا ليبلغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.
ولا تقتصر الاستراتيجيات الدفاعية المعاصرة على الجوانب العسكرية التقليدية؛ بل تتداخل مع مجالات الأمن السيبراني، والحرب الهجينة، والذكاء الاصطناعي. وتُعدُّ إستونيا مثالاً بارزاً في هذا السياق؛ إذ أعادت صياغة استراتيجيتها الوطنية عقب الهجمات السيبرانية الكبرى التي تعرضت لها عام 2007، فأنشأت في العاصمة تالين مركز التميز للدفاع السيبراني التابع لحلف الناتو، ومنحت تعزيز قدراتها الرقمية على المستوى الوطني أولوية.
وفي السياق العربي تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدِّماً لاستراتيجية دفاعية شاملة؛ إذْ انتقلت من وضعية دفاعية تقليدية إلى استراتيجية ردع وقائية تعتمد على أنظمة متقدمة، إلى جانب استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة. ووفقاً لمؤشر «القوة النارية العالمية» (Global Firepower) الصادر عام 2025 تحتل دولة الإمارات المرتبة الخامسة على مستوى الشرق الأوسط، والمرتبة 54 من بين 145 دولة على مستوى العالم من حيث القوة العسكرية؛ إلا أن تفوقها النوعي يتجلَّى في تركيزها على الأنظمة الذكية، والقدرات الذاتية.
ويُعدُّ برنامج «إيدج» الذي أطلقته وزارة الدفاع الإماراتية عام 2023 مثالاً واضحاً على هذا التوجه نحو الحروب المستقبلية؛ مع دمج أبعادِ الإغاثة الإنسانية والجاهزية المجتمعية بصفتها جزءًا من رؤية شاملة للدفاع الوطني؛ تعزز مرونة الدولة واستجابتها لمختلف التهديدات.
وتتبنَّى دول أخرى نهجاً مشابهاً في تكامل الدفاع مع الابتكار والتخطيط التنموي، مثل سنغافورة التي تُعد من الدول الرائدة في هذا المجال. وتؤثر الاستراتيجيات الدفاعية بصورة مباشرة في مسارات صنع القرار الوطني؛ إذ تحدِّد معالم السياسة الخارجية، وتوجه التخطيط الاقتصادي، وتُعيد تشكيل العلاقات الدولية؛ فعلى سبيل المثال، التحوُّل الأميركي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ منذ عهد الرئيس أوباما يعكس انتقالًا من التركيز على مكافحة الإرهاب إلى التنافس مع القوى الكبرى، وتحديداً الصين.
وفي اليابان تطلَّب تطوير الاستراتيجية الدفاعية الجديدة تعديلاً شاملاً في البنيتين السياسية والدستورية؛ ما يؤكد أن الأمن الوطني لم يعُد شأناً عسكرياً محضاً، بل قرار سياديٌّ يمس هوية الدولة وتوازناتها الإقليمية.
وعلى مستوى دول الخليج العربية تبرز دولة الإمارات نموذجاً رائداً يربط بين مفاهيم الأمن والدفاع من جهة، والرؤية التنموية والاستراتيجية من جهة أخرى؛ فقد نصَّت «مبادئ الخمسين» ورؤية «الإمارات 2031» على دمج الاعتبارات الدفاعية ضمن عملية التخطيط الوطني الشامل؛ ما يعكس نضجاً في المفهوم الدفاعي وتكامله مع أدوات القوة الناعمة والتقنية الذكية، ومنها الدبلوماسية الدفاعية التي تمثل اليوم ركيزة مهمة في العلاقات الإقليمية والدولية للإمارات.
وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن منظومات الدفاع الحديثة ستعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
ووفقًا لتقرير صادر عن شركة «ماكينزي» عام 2023؛ فإن الأنظمة المعزَّزة بالذكاء الاصطناعي تملك قدرة فائقة على تحليل البيانات الاستخبارية بسرعة تفوق قدرة البشر مئة ضعف؛ وهو ما سيعيد صياغة مفاهيم الاستجابة، والاستهداف، والقيادة والسيطرة. وقد بدأت بعض الدول فعلاً توظيف هذه التقنيات؛ ومن أبرزها مشروع «مايفن» في الولايات المتحدة لتطوير أنظمة استهداف ذكية. أمَّا في دولة الإمارات؛ فقد أُطلِق «البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي 2031»، الذي يتضمَّن استخدامات متقدمة للذكاء الاصطناعي في القطاع الدفاعي؛ بما يشير إلى توجه استراتيجي نحو مأسسة الأمن السيبراني بصفته جزءًا من العقيدة الدفاعية المستقبلية. ومع ذلك تَطرح هذه التحولات تحديات قانونية وأخلاقية، من أبرزها المساءلة الخوارزمية، ومخاطر التصعيد غير المقصود، والانفلات السيبراني؛ ومن هنا؛ فإن الاستراتيجيات الدفاعية المستقبلية ينبغي أن توازن بين الابتكار والحوكمة، وبين الكفاءة التقنية والمساءلة المؤسسية.
إن فهم تحولات الاستراتيجية الدفاعية لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يشمل أبعاداً سياسية واقتصادية وثقافية؛ فمن الردع النووي في الحرب الباردة إلى الحروب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ مرَّت الاستراتيجيات الدفاعية بتحولات حاسمة شكَّلت ملامح العالم كما نعرفه اليوم.
وإن كانت النماذج التقليدية الأميركية واليابانية قد فرضت دروساً ملهمة؛ فإن النماذج الناشئة، كالنموذجين الإستوني والإماراتي، تقدم رؤى مبتكرة لكيفية التكيُّف مع التحديات الحديثة. وفي ضوء التغيرات المتسارعة؛ فإن الدول مطالبة اليوم بوضع استراتيجيات دفاعية لا تنحصر في السلاح والتكتيك، بل تنطلق من رؤية شاملة تستشرف المستقبل، وتدير المخاطر ضمن أطر الحوكمة الرشيدة، والسيادة المستدامة.
*موجِّه باحث في كلية الدفاع الوطني


