قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن تحلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية «يو إس إيد» فعلياً في أول يوليو الجاري، وتنقل عقودها القليلة المتبقية إلى وزارة الخارجية. وخلال الشهرين المقبلين، سيتم تسريح الموظفين المتبقين، بما يشمل كامل قوة العمل الحكومية العالمية في مجال المساعدات الإنسانية، حيث ستتخلى أميركا بهدوء عن مكافحة المجاعة العالمية، ولن يلاحظ معظم الأميركيين ذلك.
وقد يستغرق الأمر شهوراً أو سنوات بالنسبة للكثيرين لربط تقارير الوفيات الجماعية في الخارج بالقرارات المتخذة في الداخل. فبعد ستة عقود، أصبحت «يو إس إيد» فعّالة للغاية في وقف ملايين الوفيات في جميع أنحاء العالم بهدوء، لدرجة أن معظم الأميركيين لم يكونوا على دراية بالكوارث الإنسانية التي كانت تحدث. ولأنهم لم يسمعوا قط عن الأرواح التي تُنقذ بانتظام من أموال دافعي الضرائب، فإن الأميركيين لا يدركون الكرم الذي سُلب منهم.
لقد عملتُ لصالح «يو إس إيد» في شرق أفريقيا خلال السنوات الثماني والنصف الماضية، وكنتُ أروّج لقصة المعونة الأميركية لمواطني رواندا وإثيوبيا وكينيا. لكن عجزنا عن رواية القصة نفسها للأميركيين يعتبر إخفاقاً كبيراً، يضع الوكالة أولاً في مأزق وزارة «كفاءة الحكومة»، وهو ما سمح لوزير الخارجية ماركو روبيو بالإفلات من المساءلة بإصراره على استمرار المساعدات الإنسانية المنقذة للأرواح، بينما قلّصت الإدارة تمويلَها بشكل جذري. وهو ما أخشى أن يسمح للإدارة الحالية بتصوير الوفيات الناجمة عن الكارثة التالية التي يمكن الوقاية منها على أنها لا يمكن إيقافها أو حتمية.
ورأيتُ في منطقة شرق أفريقيا نتائج مشاريعنا التنموية في أوقات السلم، ومساعداتنا الإنسانية خلال الأزمات والصراعات. ولطالما شاركت الوكالة في بيروقراطية بطيئة ومُحبطة، لكن معظم الأميركيين سيشعرون بالصدمة لمعرفة ما يخسرونه.
ويكفي مثال واحد على ذلك، ففي أبريل 2022، سافرتُ بصحبة ثمانية صحفيين إثيوبيين إلى مدينة غودي في جنوب شرق إثيوبيا، حيث قاربت درجة الحرارة آنذاك 100 درجة فهرنهايت. ذهبنا لاستكشاف المجتمعات التي اجتاحها الجفاف في القرن الأفريقي خلال الفترة 2020-2023، وهو الجفاف الأطول على الإطلاق في البلدان الثلاثة التي امتد إليها، أي إثيوبيا وكينيا والصومال. واصطحبنا الصحفيين إلى مخيم مؤقت لـ2500 عائلة تم بناؤه جزئياً بتمويل أميركي. كما زرنا مستشفى ينقذ الأطفال من الموت بسبب سوء التغذية اعتماداً على أدوية مغذية بتمويل أميركي. وزرنا كذلك مستودعاً ضخماً يضم جزءاً ضئيلاً فقط من حوالي 150 ألف طن من المواد الغذائية، التي ترسلها واشنطن إلى المنطقة كل عام، والتي اشتملت على حبوب مزروعة في أميركا وبازلاء مجففة وزيت طهي.
وخلال فترة الجفاف تلك، حصل أكثر من 40 مليون شخص على مساعدات إنسانية، موّلت واشنطن ما يزيد على 70% منها. وقدّر الدكتور أوليفر واتسون، المحاضر في كلية لندن الإمبراطورية، الذي وضع نماذج للوفيات الناتجة عن الجفاف، أنه لولا المساعدات الأميركية، لوقعت بين 2.1 و3.9 مليون حالة وفاة إضافية. وهو رقم خطير للغاية، بالنظر إلى أن نصف مَن توفوا خلال المجاعة السابقة في المنطقة كانوا من الأطفال الصغار وحديثي الولادة.
لكن قيل مؤخراً إن برامج كهذه تمثّل عبئاً غير مبرر وهدراً لأموال دافعي الضرائب، مما يثير سؤالاً: كم كلّفت هذه المساعدات الإنسانية حقاً؟
في السنة المالية الأكثر تكلفة، عام 2022، أنفقت الحكومة الأميركية أكثر من ملياري دولار بقليل على كامل تكاليف الاستجابة للجفاف في الدول الفقيرة، أي أن الأسرة الأميركية المتوسطة تكلفت ضرائب بنحو 6 دولارات سنوياً لمنع وفيات تعادل تقريباً نصف ضحايا الهولوكوست.
ويبدو من السخافة أن يحتاج أمر إنساني إلى تبرير، ولا أعتقد أن الأميركيين أنفسهم يظنون أنه يحتاج إلى تبرير. فرغم كل عيوبنا، لسنا شعباً محدود الأفق لدرجة أن نرفض صفقة أخلاقية ومالية كهذه.
وعندما انتهى الجفاف عام 2023، أوقفت «يو إس إيد» الاستجابة للطوارئ. ورغم أن أميركا كانت قد أنجزت لتوها واحدةً من أنجح الاستجابات الإنسانية في التاريخ الحديث، إلا أنها لم تحتفل بالنصر، حتى عبر خطاب رئاسي، أو وضع لوحة تذكارية في واشنطن، ولا حتى من خلال إعلان تقرير عام كامل، بل اكتفت بمشاركة بعض المنشورات الواهنة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم انتقلت إلى الكارثة التالية.ويعود هذا الفشل جزئياً إلى أن الوكالة، بعد عقود من الصمت الروتيني، لم تستطع رؤيةَ نصف الكوب الممتلئ، وجزئياً إلى عجز الحكومة الفيدرالية عن التواصل المباشر مع جمهورها. إلا أن السبب الأكبر في عدم قدرتنا على إيصال القصة هو أن الجمهور الأميركي لم يكن يوماً الجمهور الرئيسي الذي تستهدفه الوكالة.
وبدلاً من ذلك، كانت معظم جهودنا في التواصل موجهة بالكامل إلى الكونغرس والمسؤولين المطلعين داخل الحكومة. وافترض منطقنا الخاطئ أنه إذا فهم المشرعون تأثير الوكالة، فسيدافعون عن عملها.
لقد فهموا ذلك، وانضم أعضاء الكونغرس وموظفوهم بانتظام إلى وفود خارجية، والتقوا بموظفي الوكالة، وتلقوا إحاطات خاصة، وقاموا بجولات على مشاريع إنقاذ الأرواح. وكانوا يشيدون سراً بالأعمال المنفَّذة. ومن كينيا، استضفنا أكثر من 35 وفداً رفيع المستوى من هذا القبيل في عام 2024 وحده.
وهذا ما يجعل اللحظة الحالية مريرة للغاية، لأن مَن يدركون أهمية ما نخسره هم مَن يسمحون بذلك، ولن تتمكن أميركا من تكرار نجاحاتها السابقة عندما يحدث الجفاف التالي، بعدما خفّضت مساهماتها الإنسانية أو أنهت عقودَها مع مستودعات تخزين المساعدات الغذائية، أو بعد تقويض دعمها لجهاز الإنذار المبكر الوحيد الخاص بالمجاعة في العالم.. وبالتأكيد ليس بعد الإطاحة بالعاملين في المجال الإنساني الذين يجسّد عملُهم أسمى القيم الأميركية.ما وصفته هنا مجرد مثال واحد على عمل «يو إس إيد»، إذ إنه لا يشمل الأرواح التي أُنقذت حول العالم من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية «الإيدز» والسل ومضاعفات الولادة، ولا يتحدث عن الأطفال الذين حصلوا على كتابهم الأول أو ارتادوا فصلهم الدراسي الأول أو حصلوا على فرصة في حياة أفضل.
ومع عدم وجود دولة أخرى تملأ الفراغ الذي تُخلفه أميركا، يجب ألا ننسى الدرس المستفاد من تلك اللحظة. وإذا عدنا يوماً إلى تقديم مساعدات جادة للعالم، فلا يمكننا أن نعيد البناء على نفس الأساس المتهالك الذي اعتبر وعي الشعب خياراً ثانوياً.
لقد فات الأوان لإنقاذ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إلا أن هناك تساؤلاً يطرح نفسَه: هل لا يزال بإمكاننا إنقاذ الرغبة الأميركية في الحضور لتقديم المساعدة عندما يموت الناس؟
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
ويليام هيركويتز*
*مسؤول الاتصال سابقاً في بعثات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية


