لم يعد النشاط الاستخباري في القرن الحادي والعشرين مجرد وسيلة لجمع المعلومات، بل بات يشكّل انعكاساً معرفيّاً عميقاً للبنية الإدراكية التي تتبنّاها الدول تجاه بيئة التهديد؛ فالجاسوسية، بما تحمله من أدوات رقمية ونفسية ورمزية، لم تعد تُقاس بوظيفتها الأمنية فحسب، بل بصفتها ممارسة تشكّل الوعي الاستراتيجي، وتعيد إنتاج العلاقة بين النية والهوية والإدراك. وقد أضحى هذا التحول جلياً في نظرية «توازن التهديد»، كما صاغها الباحث الأميركي ستيفن والتي تفترض أن التهديد لا يُقاس بالقدرات العسكرية فقط، بل يتجلى كذلك من خلال النيات والإدراك والاختلاف الأيديولوجي.
وشهدت الجاسوسية خلال الحرب الباردة ذروتها التقليدية؛ فقد كان التركيز منصبّاً على التوغلات الميدانية والقدرات العملياتية المباشرة، غير أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة شهدت تحولاً جوهرياً؛ إذ بدأت الدول إعادة تقييم التهديدات انطلاقاً من المقومات الإدراكية، والنفس-ثقافية، والهويات السياسية للخصوم، لا من الحقائق الموضوعية وحدها.
وقد أوضحت الباحثة جانيس شتاين هذا التوجه في كتابها «تصوّر التهديد في العلاقات الدولية»، مشيرة إلى أن التهديد يُبنى على الإدراك قبل أن يُبنى على الوقائع. وقد تجلّى هذا التحول الإدراكي في عدد من الحوادث، من أبرزها ما أعلنته وكالة الأمن السيبراني الأميركية في مايو 2023، بشأن قيام مجموعة تُعرف باسم «فولت تايفون»، بشن هجمات خفية استهدفت قطاعات استراتيجية في الولايات المتحدة الأميركية.
وقد أشار تقرير صادر عن شركة «مايكروسفت» إلى أن أكثر من 70% من أدوات هذه المجموعة كانت مُصممة للبقاء الكامن من دون تفعيل؛ وهو ما يعكس تحوّل الجاسوسية من الفعل المباشر إلى إنتاج بيئة من الشك والقلق الاستراتيجي المتراكم. وفي السياق نفسه كشفت وسائل إعلام أميركية في مارس 2024 عن استخدام تقنية التزييف العميق لاستهداف أعضاء في الكونجرس الأميركي، من بينهم السيناتور ماركو روبيو، ضمن حملات تأثير رقمي تهدف إلى تشويه الصورة العامة، وصناعة تهديدات وهمية لدى الجمهور.
وهذا النوع من الهجمات لا يعكس انتقال أدوات الجاسوسية إلى المجال الرقمي الرمزي فقط، بل يؤكد أنها باتت تسعى إلى التأثير في الإدراك العام، لا مجرد اختراق البنى الأمنية التقليدية. ومن هذا المنظور بدأت بعض الدول الخليجية، تبنّي مقاربات استخبارية أكثر شمولاً تجمع بين تحليل البيانات السيبرانية ومراقبة الخطاب الرمزي، وتُعيد تعريف مفهوم التهديد وفق مداخل إدراكية جديدة.
وعلى الصعيد النظري يبرز الطرح الذي قدمه ديفيد روسو بشأن مركزية الهوية السياسية والأيديولوجية في بناء التهديد؛ فلم تعد الخصومة الجغرافية أو القوة العسكرية كافية لتفسير التهديد من دون فهم البنية الذهنية التي يتموضع فيها الخصم. وفي هذا السياق أشار تقرير لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي (2021) إلى أن أكثر من 60% من الإخفاقات الاستخباراتية في أوروبا بين عامي 2016 و2020 تعود إلى الإفراط في الاعتماد على القرائن التقنية، من دون قراءة دقيقة للأنماط النفسية والثقافية المكوّنة لسلوك الخصم.
والمثال النرويجي يعزز هذا الطرح؛ ففي عام 2021 كشفت هيئة الأمن القومي في أوسلو أن الهجوم السيبراني الذي استهدف البرلمان كان مُنظّمًا ويُظهر نمطًا يمزج بين تقنيات الاختراق ووسائل التلاعب الإدراكي بالرسائل السيبرانية الموجّهة؛ وهو ما يستدعي قراءة تتجاوز الاختراقات الفنية إلى تحليل سياق الخطاب والتأثير الرمزي. أما من زاوية التقنيات المتقدمة، فقد أظهرت بحوث صادرة عن معهد آلان تورينغ أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما تلك المعتمدة على تحليل اللغة الطبيعية، بدأت تلعب دوراً متزايداً في رصد الأنماط اللغوية التي تحمل مؤشرات إلى التهديد أو التلاعب الإدراكي.
ويُلاحظ أن هذه النماذج لا تكتفي بتفسير المحتوى الظاهر للنصوص، بل تحلّل البنية الخطابية، والسياقات الضمنية، ونغمة التعبير؛ لتحديد الرسائل المبطّنة أو الإشارات السيبرانية المؤثرة. وتكمن أهمية هذا التطور في أنه ينقل وظيفة الاستخبارات من جمع المعطيات إلى هندسة آليات القراءة الإدراكية للنصوص والمواقف؛ وهو ما يطرح إشكاليات استراتيجية جديدة بشأن المتحكم في تصنيف التهديد: هل هو الواقع الفعلي أو النظام الخوارزمي؟
وقد أشار تقرير نشره معهد آلان تورينغ في عام 2023 إلى أن هذه النماذج أصبحت تُستخدم في البيئات الانتخابية والسياسية لرصد الحملات التضليلية، بل وأوصى بضرورة تبنّي «حوكمة إدراكية» للتعامل مع نتائج التحليل الآلي؛ نظرًا إلى ما قد تُحدثه من تأثير مبكّر في إدراك صانع القرار للتهديدات حتى قبل أن تظهر ملامحها في سلوك الخصم. المؤسسات الاستخباراتية لم تعد مطالبة بإنتاج تقارير وصفية، بل بفهم البنى الذهنية والتراكيب النفسية والثقافية التي يُعاد من خلالها بناء التهديد.
ولا يمكن الحديث عن أمن وطني فعّال من دون امتلاك القدرة على رصد النيات قبل أن تتحول إلى أفعال؛ إذ أضحت الجاسوسية الحديثة أداة استراتيجية تُحصّن صانع القرار من السقوط في فخ الإدراك المشوّش أو التضليل المنهجي. وفي عالم باتت فيه أدوات الجاسوسية لا ترصد الإدراك فقط، بل تصوغه؛ تبرز معضلة كبرى هي: هل تجاوز دور الأجهزة الاستخباراتية حدود الدعم التنفيذي، ليُصبح طرفاً مؤثراً في توجيه القرار السيادي وصياغة السياسات العليا؟
*موجِّه باحث في كلية الدفاع الوطني


