في الثامن عشر من يوليو من كل عام تمر على دولة الإمارات ذكرى وطنية غالية هي يوم عهد الاتحاد. إنها ذكرى اليوم الذي تم فيه التعاهد بين الحكام السبعة المؤسسين للدولة يقودهم الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على تأسيس الدولة. في ذلك اليوم المجيد تعاهد القادة فيما بينهم، وكان يقف خلفهم ويعاضدهم ويسندهم شعبهم الوفي. لقد تعاهد الجميع على تأسيس وبناء هذا الوطن والمحافظة عليه وصونه من غائلات الزمن، لكي يبقى شامخاً أبياً ما بقي الدهر وإلى أن يرث الله الأرضَ ومَن عليها.
لذلك، فعلى أرض الإمارات تتجسد الإجابةُ المنطقية المقنعة عن سؤال سرمدي يدور حول كيف يمكن لكيانات مستقلة أن تقيم اتحاداً فيما بينها، تلتئم تحت لوائه وتحافظ عليه وعلى استمراريته، وتَصهر شعبَه في بوتقة واحدة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، مع المحافظة على مصالح الجميع؟ الاتحاد فكرة قديمة قدم تواجد البشر على سطح الأرض، ففي الوقت الذي ظهرت فيه تجمعات الإنسان، بدأ بنو البشر في الشعور بأنهم جزء من مجموعة أكبر، وبَرز لديهم ميلٌ للاتصال بالتجمعات البشرية الأخرى لكي تنضم إليهم أو ينضموا إليها لتحقيق المصالح المشتركة. ويعود السبب الأكبر للرغبة في الاتحاد إلى عامل مهم هو ضمان الأمن والدفاع عن النفس. وبالنسبة لاتحاد دولة الإمارات، الذي أُعلن رسمياً في الثاني من ديسمبر 1971، والذي نستعيد في كل عام ذكرى التعاهد على إقامته في الثامن عشر من يوليو من كل عام أيضاً، هو في الحقيقة والواقع من أنجح الاتحادات في عالم اليوم، وهو الاتحاد الوحيد الناجح على مستوى العالم العربي.
وفي هذا السياق، تشير مقولاتُ وأطروحاتُ ومفاهيمُ الاتحادية ونشوءُ ونجاحُ الاتحادات إلى ممرين رئيسيين يسلكهما تطور الاتحادات: الأول، هو الحصاد الخاص بالشعور الجماعي («نحن») ما بين الوحدات المكوِّنة لكل اتحاد بعينه، وهو شعور يرتكز على وجود تماثل وتكامل في الفكر والثقافة والتاريخ والفلسفة السياسية والاجتماعية، والقضايا المرتبطة بالإثنية كالأرومة واللغة والديانة والمنشأ الإقليمي، وبالمصالح الاقتصادية والأمنية. أما الممر الثاني، فهو ذلك المتعلق باعتراف الكيانات ذات الروابط المشتركة بوجود مصالح ومنافع وعوائد مشتركة تنتج عن الدخول في الاتحاد. هذان الممران الرئيسيان متساكنان في وجدان الكيانات الفرعية المكونة لاتحاد دولة الإمارات، الأمر الذي نتج عنه وجود أُلفة ومودة بين أبناء هذا الشعب.
وكل ذلك مما يعزز استمرارية تواجد الاتحاد والحرص والوفاء بالعهد الاتحادي الذي قطعه الآباء المؤسسون على أنفسهم وورَّثوه لأبنائهم ولهذا الشعب المخلص لوطنه ولهم كقادة مؤسسين، حيث اتصف قادة وشعب دولة الإمارات، على الدوام، بالرشد والقدرة والوفاء بالعهد الاتحادي المبرم.
ويتضح ذلك جلياً من قدرة الجميع على التعامل مع الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم في الدولة الاتحادية، وذلك من خلال استقراء ممارساتهم تجاه القضايا الوطنية على اختلافها، فالقيادة فطنة وذات حس مرهف في الاستجابة لمطالب المواطنين، وهي تدرك أهمية أن تبقى على اتصال مباشر ومستمر مع كافة أبناء الوطن، والمواطنون مخلصون وسريعون في الاستجابة لنداء الوطن وتوجهات القيادة.
في دولة الإمارات يلاحَظ بشكل ملموس أن القيادة السياسية تمارس سياسات كفؤة تجاه مواطني الدولة والمقيمين على أرضها من كافة الجنسيات، ما جعلها ذات تجربة واسعة في تحسس وقع مسار الوطن ومواطنيه والمقيمين على ترابه، الأمر الذي جعلها متمكنةً من قيادة الاتحاد بكفاءة ومهارة متناهيتين. وختاماً، فنحن على العهد الاتحادي باقون، ولوطننا وقياداته مخلصون.. رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصحف.
*كاتب إماراتي


