أكدت وزارة الخارجية الإماراتية رفضَها القاطع للمزاعم التي تواصل حكومة بورتسودان ترديدَها بشأن تدخل دولة الإمارات في النزاع المسلح الدائر في السودان. وأشارت الوزارة في بيانها الأخير إلى أن هذه الاتهامات عارية تماماً من الصحة، وتأتي في إطار خطاب سياسي يهدف لصرف الأنظار عن جذور الأزمة السودانية الداخلية وتعقيداتها. البيان شدّد على التزام الإمارات الثابت بالحياد ودعم جهود الوساطة والسلام، ومواصلتها تقديمَ المساعدات الإنسانية للشعب السوداني دون تمييز.
ورغم أن حكم محكمة العدل الدولية أسدل الستار على فصل رئيسي من هذه المزاعم، برفض الدعوى التي رفعتها حكومة بورتسودان ضد الإمارات، تواصل حكومة بورتسودان إعادة إنتاج الخطاب ذاته. فالمحكمة، باعتبارها أعلى هيئة قضائية دولية ولأحكامها قوة إلزامية دولية، أوضحت عدم وجود أساس قانوني لهذه الادعاءات، ما يجعل الاستمرارَ في ترويج تلك المزاعم ضرباً من المكابرة السياسية. وإلى ذلك، تجاهل خبراء مجلس الأمن الدولي هذه المزاعم في تقاريرهم، ولم يدرجوها كوقائع مثبتة تستحق النظر. كما أن لجنة تقصي الحقائق الخاصة بالسودان لم تجد ما يبرر الخوض في هذه الاتهامات، لغياب الأدلة وانعدام القرائن الموثوقة. ومع ذلك، لم تتوقف حكومة بورتسودان عن إعادة تدوير هذه الأكاذيب في خطاباتها الإعلامية والسياسية.
 النهج الذي تتبعه حكومة بورتسودان يعكس أزمةً عميقةً في إدارة الصراع الداخلي، حيث يتم استدعاء «الخصم الخارجي» لتبرير الإخفاقات السياسية والعسكرية. وبدلاً من التركيز على مسارات التفاوض وإيجاد حلول جذرية للأزمة، نرى تصعيدَ الخطاب العدائي ضد دول بعينها، في محاولة لتشكيل صورة ذهنية رائجة يتم البناء عليها لتضليل الرأي العام السوداني والدولي. ويبدو أن هذه المزاعم تتخذ منحى تصعيدياً مع كل تقدم في جهود الوساطة، وكأنها ورقة للمساومة السياسية أو وسيلة لعرقلة مسارات السلام التي لا تصب في مصلحة أطراف داخلية متشددة. وفي المقابل، حافظت الإمارات على موقفها المتزن، وامتنعت عن الانجرار إلى سجالات إعلامية، مكتفيةً بتوضيح موقفها عبر القنوات الرسمية والبيانات الموثقة، ومستمرةً في إرسال المساعدات الإنسانية عبر منظمات الأمم المتحدة والهيئات الإغاثية الدولية.
من الناحية القانونية والسياسية، يمثل حكم محكمة العدل الدولية، إلى جانب تجاهل مجلس الأمن ولجنة تقصي الحقائق لتلك المزاعم، نقطةً فاصلةً تؤكد أن هذه الادعاءات لا تحظى بأي قبول دولي جاد. ومع ذلك، فإن إصرار حكومة بورتسودان على تكرارها قد ينعكس سلباً على مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، ويضعف موقفَها في أي محافل تفاوضية مستقبلية.
وفي ظل المستجدات السياسية الأخيرة، ومع الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة، تتخذ هذه المزاعم بعداً أخطر، إذ يبدو أنها تُستثمر كأداة لتعزيز خطاب الحرب وإدامتها بدلاً من السعي الجاد نحو السلام. فبدلاً من أن تكون الحكومة المرتقبة فرصةً لتوحيد الصف الداخلي وفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي، تلوح المؤشرات إلى أنها قد تُستخدم لتوسيع نطاق الصراع عبر تأجيج الانقسام الداخلي، وإقصاء القوى الداعية للتسوية، وتبرير استمرار العمليات العسكرية تحت ذريعة «الخطر الخارجي»، وترسيخ حالة الاستنزاف الوطني، ورهن مستقبل السودان بحسابات سياسية ضيقة لا تراعي مصلحة الشعب ولا معاناته.
إن إعادة سرد الأكاذيب ذاتها، في ظل انكشاف حقيقتها، لا يعدو كونه محاولة يائسة لإعادة تشكيل رواية فقدت وزنَها، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب السوداني أسوأَ أزمة إنسانية في تاريخه الحديث. الإمارات، من جهتها، تبدو ماضية في موقفها القائم على الحياد الإيجابي، والدعم الإنساني، والعمل مع الأطراف الإقليمية والدولية للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي معاناة السودانيين، مهما تعددت وتكررت محاولات التشويه والافتراء.


*كاتبة إماراتية