في الخامس عشر من أغسطس 2025، ستشهد ولاية ألاسكا الأميركية قمة هي الأولى من نوعها منذ عقود بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. لقاء يأتي في ظل حرب أوكرانية طاحنة دخلت عامها الرابع، واستنزفت موارد الأطراف المنخرطة فيها، وأعادت تشكيل خرائط التحالفات الدولية.
وبين من يراها فرصة لإنهاء النزاع، ومن يحذّر من كونها مجرد هدنة على جليد ألاسكا، تتباين القراءات حول ما يمكن أن تحمله من نتائج. بوتين يدخل إلى ألاسكا وهو يشعر بأنه الطرف الممسك بأوراق أقوى مما يُعلن. فقد نجحت موسكو في ترسيخ وجودها في شرق أوكرانيا، وحافظت على تماسك جبهتها الداخلية، وروّجت للقمة على أنها انتصار دبلوماسي يعكس عودة روسيا إلى الطاولة الدولية من موقع الندّ.
اختيار ألاسكا بالذات يحمل رمزية تاريخية مرتبطة بالجغرافيا والذاكرة الروسية، ويعطي بوتين فرصة لتأكيد صورة القائد القادر على فرض شروطه دون تقديم تنازلات جوهرية. الهدف الواضح هو تثبيت المكاسب الميدانية، وانتزاع اعتراف ضمني بشرعية السيطرة الروسية على الأراضي التي ضمتها، وضمان حياد أوكرانيا ومنعها من الانضمام للناتو، مع السعي لرفع أو تخفيف العقوبات تدريجياً.
على الجانب الآخر، يسعى ترامب إلى إنجاز دبلوماسي سريع يقدمه لناخبيه كدليل على قدرته على إيقاف الحروب وعقد الصفقات. وطرحه فكرة تبادل الأراضي أو منح حكم ذاتي موسع في شرق أوكرانيا يعكس مقاربته البراغماتية، لكنه يثير قلق الحلفاء الأوروبيين الذين يخشون أن تتم التضحية بالموقف المبدئي من وحدة الأراضي الأوكرانية.
داخلياً، يدرك ترامب أن أي نجاح في وقف إطلاق النار أو تجميد النزاع سيمنحه ورقة انتخابية قوية، لكنه يواجه معارضة شرسة من تيارات في الكونجرس والحزب «الجمهوري» ترى في أي تنازل لموسكو إضعافاً لموقف الولايات المتحدة وتشجيعاً لخصومها. أكبر نقاط الجدل هي غياب أوكرانيا كطرف أصيل في المفاوضات، على الأقل وفق الصيغة المعلنة حتى الآن، وأي اتفاق يتم التوصل إليه دون حضور كييف، أو دون مراعاة حدودها المعترف بها دولياً، سيعتبره كثيرون اتفاقاً فاقداً للشرعية، ويشبهه البعض بما جرى في ميونيخ 1938 عندما تم تقرير مصير دول غائبة عن الطاولة. الدول الأوروبية، حذرت بالفعل من أن تغيير الحدود بالقوة لا يمكن أن يكون أساساً لأي سلام، مؤكدة أن أوكرانيا يجب أن تكون طرفاً في أي اتفاق.
المكاسب المحتملة لبوتين تتمثل في تكريس السيطرة على الأراضي المحتلة، وانتزاع ضمانات أمنية بشأن حياد أوكرانيا، وشق الصف الغربي. أما الخسائر المحتملة فهي تقديم تنازلات أكبر مما يرغب داخلياً أو تقويض صورة النصر الكامل إذا فُرضت حلول وسط. بالنسبة لترامب، المكاسب قد تشمل تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع، وتقليل الإنفاق على دعم أوكرانيا، وإعادة ترتيب الأولويات نحو آسيا.
أما المخاطر فتتمثل في خسارة ثقة الحلفاء الأوروبيين، وفتح المجال أمام اتهامات بالتساهل مع موسكو، وإنتاج سلام هش قد ينهار سريعاً. السيناريوهات المحتملة تتراوح بين اتفاق لتجميد الحرب يشمل وقف إطلاق النار على خطوط التماس الحالية مع ترتيبات إنسانية وتفاوض لاحق، أو فشل القمة بما قد يقود إلى تصعيد جديد، أو –وهو الاحتمال الأضعف– اتفاق شامل بضمانات دولية يتطلب مرونة استثنائية من الطرفين.
قمة ألاسكا ليست مجرد لقاء بين زعيمين، بل اختبار لقدرة القوى الكبرى على صياغة حلول لأزمات معقدة دون إقصاء الأطراف المتضررة. ما ستسفر عنه هذه القمة قد يحددّ شكل الأمن الأوروبي لعقد مقبل، وقد يرسم ملامح التوازن الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الأوكرانية. وبين الطموح الروسي والحسابات الأميركية، يبقى السؤال: هل سنشهد ولادة سلام مستدام، أم مجرد هدنة على جليد ينتظر أول شمس ليذوب؟
لواء ركن طيار متقاعد.


