دخلت الأسبوع الماضي حيّز التنفيذ الرسوم الجمركية المتبادلة التي تفرضها إدارة الرئيس دونالد ترامب على عشرات الدول. وتختلف مستويات هذه الرسوم، أو الضرائب على السلع المستوردة، وفقاً لتقدير ترامب لمدى استغلال كل دولة للولايات المتحدة. كما تمثل هذه الرسوم أداة ضغط رئيسية، إذ أنها أعلى من الرسوم الأساسية التي تتراوح بين 10% و15% والتي تطبقها الولايات المتحدة على معظم الدول الأخرى. وعلى سبيل المثال، رفع ترامب الرسومَ الجمركية على الهند من 25% إلى 50% بسبب شرائها النفط الروسي، في خطوة تمثل استخداماً للرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، فضلا عن الضغط على الدول لخفض الحواجز التجارية وشراء المزيد من السلع الأميركية.

ووصفت الهندُ هذه الخطوة بأنها «غير عادلة وغير مبررة وغير معقولة»، في بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية الهندية. تعكس سياسات الرسوم الجمركية عدمَ ثقة في المبادئ الأساسية التي وجهت السياسة التجارية الأميركية على مدى العقود الأربعة الماضية: أولا، أن التجارة الدولية تحقق الربح للجميع، وثانياً، أن الأسواق – لا الحكومات – هي من ينبغي أن يحدد مسارَها. كما تستند هذه السياسات إلى افتراض (يرفضه معظم الاقتصاديين) بأن الدولة تخسر إذا فاقت وارداتها صادراتها.

ومنذ نحو 200 ألف عام، تبادل اثنان من البشر شيئاً ما، ربما أداة بدائية مقابل طعام. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت التجارة ارتباطاً وثيقاً بنشوء الحضارات. وقد ولّد التوسع في تبادل السلع ثرواتٍ هائلةً ورفَع مؤشراتِ المعيشة إلى مستويات لم تكن تخطر على بال الأجيال السابقة. لكنها أيضاً أوجدت فائزين وخاسرين، ولم تضمن أبداً توزيع فوائدها بعدالة. ويصر بعض الاقتصاديين على أن هذا ليس خطأ التجارة العالمية المتنامية، بل يعكس جزئياً القيم التجارية للدول. كتب «جوزيف ستيجليتز»، أستاذ الاقتصاد في كلية كولومبيا للأعمال، في كتابه الصادر عام 2006 بعنوان «إنجاح العولمة»: «العولمة هي الميدان الذي تتجلى فيه بعضُ صراعاتنا المجتمعية الكبرى، بما فيها تلك المتعلقة بالقيم الأساسية».

لكن ليس بالضرورة أن يكون الأمر كذلك، فالدولة التي تبيع سلعاً أقل مما تشتريه من دولة أخرى، قد تعوض ذلك ببيع المزيد من السلع لدولة ثالثة. على سبيل المثال، قد تُعاني دولة متعطشة للنفط من عجزٍ مُستمر جراء شراء النفط من دولة منتجة. لكنها قد تستخدم هذه الطاقة لاحقاً في تصنيع آلات أو سيارات تبيعها لدولة ثالثة. هذه هي ميزة التجارة الدولية. فإذا كانت التجارة مفتوحة، وكل دولة تُجيد ما تُجيده، سواءً أكان ذلك ضخ النفط أم تصنيع السيارات أم أي شيء آخر، فإن الجميع يستفيد. ومع ذلك، فالعجز التجاري الكبير والمستمر في الولايات المتحدة يشير إلى مشكلة أعمق: العجز المزمن في الموازنة الفيدرالية.

ومرة أخرى، ليست التجارة هي السبب في هذه المشكلة، بل هي عرَض لها. ووفقاً للنماذج الاقتصادية، فالميزان التجاري الأميركي للسلع، أو ما يعرف بالحساب الجاري، الذي يشمل أيضاً التجارة في الخدمات وعوامل أخرى، يساوي الفارق بين المدخرات الأميركية والاستثمارات الأميركية. فإذا واصلت البلادُ الإنفاقَ بما يفوق دخلها، مثلا عبر عجز كبير في الموازنة الفيدرالية، فسيكون رصيد حسابها الجاري سلبياً كذلك. وقد تمكن ترامب هذا الصيف من تحقيق عدة مكاسب، على الأقل في شكل وعود. فقد وافقت اليابان على استثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة، معظمها على هيئة قروض أو ضمانات استثمار.

وكذلك وافق الاتحاد الأوروبي، للحصول على معدل الرسوم الجمركية نفسه البالغ 15%، على شراء كميات كبيرة من الغاز الطبيعي الأميركي. كما تمكنت إندونيسيا من خفض معدل الرسوم الجمركية المفروض عليها من 32% إلى 19%، بعد أن وافقت على إزالة معظم الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية وخفض تدابير أخرى تحد من شراء السلع الأميركية. لكن من غير المرجح أن تحل هذه السياساتُ المشكلةَ، لأنها تعالج الأعراض لا الأسباب الجذرية. وتشمل هذه الأسباب، بوضوح، الإفراط في الإنفاق الحكومي، وانخفاض معدل الادخار الوطني، كما يشير الاقتصاديون أيضاً إلى استراتيجيات النمو القائمة على التصدير لدى بعض الدول، وهيمنة الدولار الأميركي كعملة احتياطية.

ومن المرجح أن تؤدي الرسوم الجمركية المتبادلة إلى ارتفاع أسعار سلع الدول المستهدفة في الولايات المتحدة، ما سيدفع المستهلكين لشراء سلع مستوردة من دول غير مستهدفة. كتب «روبرت لورانس»، الاقتصادي البارز والباحث في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «إذا كان الهدف هو تحقيق توازن تجاري شامل، فلن يتحقق ذلك من دون سياسات إضافية تقلل من الإنفاق الأميركي الكلي مقارنةً بالدخل». وتكمن المفارقة في أن قانون الضرائب الجديد الذي أقره ترامب، والذي يُتوقع أن يزيد عجزَ الموازنة الفيدرالية للقرن المقبل، قد يجعل من المستحيل فعلياً تقليصَ العجز التجاري الذي يقلق ترامب إلى حد كبير.

لوران بيلسي*

*صحفي متخصص في التغطيات الاقتصادية. 

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»