في سعيه لفرض السيطرة على شرطة العاصمة واشنطن ونشر قوات الحرس الوطني وعناصر الوكالات الفيدرالية، جعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزالة مخيمات المشردين على رأس أولوياته. وكان من الأولى أن يسعى لمنع ظاهرة التشرد من البداية.

وعلى مدار العقد الماضي، ارتفع عدد المشردين سنوياً بوتيرة متسارعة. ففي العام الفائت وحده، قفز المعدل بنسبة 18%، ليصل إلى 771.480 مشرداً في الولايات المتحدة. ولا تبشر المؤشرات بانفراجة قريبة. فاقتطاعات برامج الرعاية الصحية والغذاء، وارتفاع تكاليف السكن إلى مستويات قياسية، ومقترحات إدارة ترامب الجديدة لتقليص المساعدات السكنية، كلها تهدد بتفاقم الأزمة، ليس في واشنطن وحدها، بل في عموم البلاد. بالنسبة لمعظم الأفراد والأسر، يُعد التشرد حالة مؤقتة، عادةً ما تُحل في غضون أسابيع أو أيام.

وتُعد برامج الوقاية من أزمات السكن وحلها السريع أمراً بالغ الأهمية، إذ إن التجارب الطويلة مع التشرد قد تُصعب معالجة الحالات الفردية. قد تبدو مشكلة التشرد في الولايات المتحدة مُستعصية، إلا أنها لم تكن دائماً في مسار تصاعدي. ففي أعقاب الأزمة المالية عام 2008 التي أدت إلى بطالة جماعية واضطراب سكني، وقع الرئيس باراك أوباما قانون المساعدة الطارئة للمشردين والانتقال السريع إلى السكن.

ومن مميزات القانون تخصيص 2.2 مليار دولار لبرامج تُركز على إعادة المتشردين إلى منازلهم بسرعة، ومنع المُعرضين للخطر من الانزلاق إلى التشرد في المقام الأول. ورغم تعرض الاقتصاد لضربة ركود قاسية، تراجعت معدلات التشرد سنوياً بين 2010 و2016 بنسبة وصلت إلى 15% على الصعيد الوطني، فيما انخفضت نسبة تشرد قدامى المحاربين إلى النصف. ونُسب الفضل في ذلك بدرجة كبيرة إلى المبادرات السكنية المدعومة فيدرالياً. لكن هذه المكاسب الهشة كانت تعتمد باستمرار على التمويل المناسب. ثم جاءت جائحة كورونا لتُشعل الأزمة، فقد ارتفعت تكاليف السكن بشكل جنوني، وقفزت معدلات التضخم. ومع انتهاء برامج الدعم المرتبطة بالجائحة ارتفعت معدلات التشرد مجدداً.

ولا تزال تكاليف المساكن عند مستويات قياسية، وارتفعت معدلات ديون المستهلكين بشكل حاد، مما قلل من قدرة الملايين على الادخار لمواجهة الأزمات. والآن، وبعد أشهر قليلة من بدء ولاية ترامب الثانية، قد تتحول الأزمة إلى كارثة حقيقية. ففي توصيات موازنة عام 2026، اقترحت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية خفض المساعدات الفيدرالية للإيجار بنسبة 40%، للقضاء على برامج القسائم السكنية، وفرض مدة عامين للمساعدة الفدرالية للإيجار، وهو ما قد يعرض ما يصل إلى 1.4 مليون أميركي لخطر فقدان منازلهم.

ويرى خبراء يعملون في خدمات المشردين بأنحاء البلاد أن الولايات المتحدة غير مستعدة إطلاقاً لما هو قادم، حيث تقول هافن ويلوك، مديرة الحد من الأضرار في منظمة «أوت سايد إن» غير الربحية بولاية أوريغون، إن الفترة الراهنة عصيبة للغاية، ومصير المنح الفيدرالية غير واضح. ورغم أن تمويل الولاية قد يُسهم نظرياً في سد الثغرات، إلا أن المجلس التشريعي يستعد لتخفيضات في برنامج «ميديكيد» ستُثقل كاهل الميزانيات أكثر. وقد لا يظهر بعض هذه التغييرات فوراً في الإحصاءات الفيدرالية.

فوفقاً لدينيس كالهان، أستاذ السياسات الاجتماعية في جامعة بنسلفانيا، فإن جانباً كبيراً من زيادة التشرد في 2024 جاء نتيجة سياسات حكام «جمهوريين» بإرسال المهاجرين نحو مدن اللجوء، حيث أسكنوا بدايةً في ملاجئ المشردين قبل نقلهم إلى مساكن أخرى. ومع انحسار أزمة المهاجرين، يتوقع كولهام انخفاض هذه الأرقام. إلا أن معدلات التشرد المزمن، أي الممتد لعام أو أكثر، ارتفعت بشكل ملحوظ وأصبح أكثر عرضة للخطر. وارتفع عدد المشردين المزمنين بين 2020 و2024 بنسبة 38%.

وتسكين هؤلاء أصعب بكثير من معالجة الحالات المؤقتة، فالتشرد الطويل غالباً ما يقود إلى تعاطي المخدرات، ما يحول دون الحصول على خدمات تشترط التعافي، ويزيد من احتمالية إصابات الدماغ التي تُعيق تلقي الرعاية. وليس الأفراد وحدهم من يدفع الثمن، بل المجتمعات بأكملها. ففي المدن، ثبت أن التشرد يقلص حركة المارة في وسط المدينة، ويُضعف الإقبال على وسائل النقل العامة، ويهدد الصحة والسلامة العامة.

ويدرك سكان المدن خطورة الزيادة المفاجئة في عدد من يعانون من أزمات نفسية أو إدمانية، وكيف يمكن حتى لعدد قليل من المشردين أن يغير صورة الحي بالكامل. لكن ليس من الحتمي أن نترك الكارثة تتفاقم. وحتى الاستثمارات المتواضعة ستُحدث فرقاً.

وهناك رؤى جديدة، مثل حركة «الوفرة السكنية»، وصعود مرشحين سياسيين يضعون القدرة على تحمل تكاليف السكن في صميم برامجهم، ما يفتح نافذة أمل لمستقبل أكثر إشراقاً، يتيح خيارات أوسع في الاستئجار أو التملك. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»

*خبير في السياسات العامة مقيم في فيلادلفيا