يُعدُّ يوم المرأة الإماراتية مناسبة وطنية غالية نحتفل بها سنوياً، تقديراً لدور المرأة الريادي في مسيرة التنمية والبناء. ويأتي احتفال عام 2025 تحت شعار «يداً بيد نحتفي بالخمسين»، بتوجيهات من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، ليؤكد أن تمكين المرأة في دولة الإمارات لم يكن يوماً مجرد شعارات، بل هو قصة مُلهمة من التحدي، والعطاء، والإنجازات المتواصلة.
وبالنسبة لي شخصياً، عندما قررتُ التخصص بالمجال الصحي، لم يكن هذا الخيار شائعاً بين النساء في مجتمعنا. وفي ذلك الوقت كانت النظرة السائدة أن العمل في القطاع الصحي شاقٌّ، يتطلب صلابة وقدرة عالية على تحمُّل الضغوط المستمرة، وكان يُنظر إليه بصفته خياراً أنسب للرجال، ما جعله غير مألوف للمرأة. ولكنني، مثل كثيرات من بنات جيلي، كنت مدركةً حجمَ التحدي، وآمنت بأن خدمة الإنسان في لحظات ضعفه ومرضه هي رسالة سامية تستحق أن نبذل من أجلها الجهد والتضحية.
وسأتحدث عن تجربة المرأة الإماراتية في المجال الصحي، لأنني عايشتها في مختلف مراحلها، فقد واجَهَت المرأة الإماراتية العاملة في القطاع الصحي تحديات جمّة، كان أولها إثبات الذات في بيئة كانت، في بداياتها، ذكورية الطابع. أضِف إلى ذلك اختلاف الثقافات، إذ كانت الأغلبية العاملة من جنسيات لا تدرك خصوصية المرأة في مجتمعنا، ولا تعي حجم المسؤوليات التي تتحملها خارج نطاق العمل.
ثم جاء التحدي الأصعب: تحقيق التوازن بين متطلبات المهنة القاسية، ومسؤوليات الحياة الأسرية، بين ساعات عمل طويلة تمتد إلى الليل، ونداءات طارئة لا تنتظر ظرفاً عائلياً أو اجتماعياً، فكان علينا أن نتعلم كيف نكون أمهات، وبنات، وزوجات، وفي الوقت نفسه قائدات وممارسات صحيات. ولم تكن تلك المعادلة سهلة، ولكنها شكلت جيلاً من النساء القويات، القادرات على أن يكنَّ قدوة ومصدر إلهام للأخريات.
ولعل جائحة «كوفيد-19» كانت الامتحان الأكبر، ففي الوقت الذي كانت فيه أسرنا بأمسِّ الحاجة لوجودنا إلى جانبها - إذ جلس أبناؤنا في المنازل يطلبون الدعم في التعلُّم عن بُعد - كان وطننا ينادينا من الخطوط الأمامية. وعشنا لحظات إنسانية مؤثرة: مكالمة طفل يشتاق إلى والدته الطبيبة، ودمعة أم تخشى على أسرتها، ولكنها تواصل أداء واجبها بدافع من الواجب، والإيمان، والولاء.
تلك المواقف ستظل محفورة في ذاكرتنا، لا لأنها أوقات صعبة فقط، بل لأنها ترمز إلى القوة، والإصرار، والتفاني، التي ميزت المرأة الإماراتية في أشد الظروف.
اليومَ، وبفضل تمكين قيادتنا الرشيدة، أصبحت المرأة الإماراتية في مواقع قيادية ضمن القطاع الصحي، تقود السياسات الصحية، وتشارك في البحوث العالمية، وتترك بصمة واضحة في مجالات الابتكار الطبي. كما تعمل بجد وكفاءة في أقسام حيوية مثل الطوارئ والتخصصات الطبية المعقدة، وفي الوقت نفسه توازن بين مسؤولياتها الأسرية والاجتماعية.
والأجمل أنها تحظى اليوم بدعم حقيقي من أسرتها ومجتمعها، ما يشجعها على مواصلة رحلتها العلمية والمهنية بثبات وطموح.
إن يوم المرأة الإماراتية هو مناسبة نؤكد فيها أن الطريق لم تكن سهلةً، ولكن إيماننا برسالتنا، وحبنا لوطننا، جعَلا من التحديات سلماً نحو الإنجاز.واليومَ، نقف جميعاً يداً بيد، لنحتفي بخمسين عاماً من التقدم، ونرسم معاً مستقبلاً أكثر إشراقاً لوطننا الغالي.
د. فريدة الحوسني*
*نائب الرئيس التنفيذي للمعهد العالي للقضاء على الأمراض المعدية «غلايد»


