تلقيتُ رسالة من صديق أعادت إلى ذاكرتي قصة جوزيف كينيدي عام 1929 حين فَهِمَ أن السوق على وشك الانهيار، لا من خلال مؤشر اقتصادي، بل من نصيحة عابرة لماسح أحذية يتحدث بثقة عن الأسهم.

يومها، أدرك كينيدي أن القطيع دخل السوق وأن الحماسة العمياء غلبت العقل، فانسحب قبل الانهيار الكبير. استوقفتني هذه القصة لأننا نعيش اليوم نسخة أخطر منها، لكن في ميدان مختلف: ميدان الوعي. لم تعد الفقاعات تقتصر على الأسواق المالية، بل انفجرت في ساحات التواصل الاجتماعي، حيث يتصدر الغوغائيون المشهد، ويتحول الجهل إلى رأي عام، والضجيج إلى «حقيقة».

كثير من هؤلاء المغردين والمعلّقين لا يتحدثون ببراءة أو جهل فقط، بل يوظفون خطابهم في خدمة أجندات خاصة أو مصالح خارجية. يتاجرون بعقول الناس، يبنون شهرتهم على حساب استقرار الأوطان، يبيعون الوهم لمتابعيهم ويغلفونه بشعارات براقة: «حرية»، «كرامة»، «إصلاح». وفي الجوهر، يزرعون بذور الفوضى ويمهّدون لانهيار الدول. والتاريخ القريب شاهد، فما سُمّي بـ «الربيع العربي» انطلق بموجة من الشعارات التي بدت واعدة، لكنها انتهت إلى كوارث. تونس، مهد الشرارة، غارقة اليوم في أزمات سياسية واقتصادية بلا أفق. وليبيا تفككت إلى ميليشيات وسلطات متصارعة رغم ثرواتها.

وسوريا تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة، وتشرد الملايين من شعبها. أما مصر، فقد كادت أن تنزلق إلى الفوضى ذاتها، لولا إرادة الله عز وجل، ثم وقوف الإمارات والسعودية خلفها، وقوة الجيش المصري واحترام الشعب له، مما أعاد التوازن وحمى الدولة من مصير مشابه لجيرانها. هذه التجارب تذكرنا أن الغوغائيين حين يقودون، فالنتيجة ليست إصلاحاً ولا حرية، بل انهيار الأوطان وتشويه الحقيقة.

وفي «وول ستريت» خسر الناس أموالهم، لكنهم أعادوا بناء الاقتصاد لاحقاً. أما في منطقتنا، فإن خسارة الوعي أخطر، لأنها لا تعني فقط إفلاساً مادياً، بل انهيار معنى الوطن ذاته. وحين يروّج الغوغائيون أن الوطنية خيانة، وأن تدمير الدولة بطولة، فإنهم يقودون الناس إلى هاوية لا خروج منها. اليوم نحن أمام معركة حقيقية على الوعي. وهناك من يسعى إلى تشويه الحقائق، وتغذية النقمة، واستبدال الحوار بالتحريض.

والخطر الأكبر أن هذه الأصوات تُقدَّم على أنها تعكس «الرأي العام»، بينما هي في حقيقتها مجرد صدى لصخب الغوغاء. هنا تبرز مسؤولية المثقف الواعي والمواطن الصادق: أن يرفض منطق التفاهة، وأن يدافع عن العقل في زمن الضجيج. وصحيح أن الساحة الرقمية تبدو اليوم غارقة في الفوضى، لكن هذا لا يعني أن المعركة محسومة.

ويمكننا أن نصنع بدائل معرفية وإعلامية نظيفة، وأن نعيد للكلمة قيمتها عبر منصات تحترم العقل ومساحات حوار تحفظ التماسك. والمستقبل لا يكتبه الغوغائيون، بل يكتبه من يملك الشجاعة ويحافظ على المعنى. فالمال إذا ضاع يمكن استعادته، أما الوعي إذا انهار، فلن يترك لنا سوى أطلال أوطان. لهذا، فإن معركتنا اليوم هي معركة العقل، ومن يكسبها يكتب المستقبل.

*لواء ركن طيار متقاعد.