لا سلام ممكناً ما لم تتوفّر إرادة سياسية. هذه الإرادة إما غائبة تماماً أو مشكوكٌ في مآربها الحقيقية أو أنها تعاني من سوء إدارة. لا يكفي تكرار الحديث عن الأهداف الجميلة، طالما أن صوغها في اتفاقات يواجه استعصاء في التوافق.
ومن الواضح أن القوانين والمواثيق والمعاهدات وحتى الأعراف لم تعد مرجعيات يؤخذ بمبادئها أو يُعتدّ بأحكامها. تجاوزت الحروب والصراعات الراهنة كلّ العبر التي استمدّت من التجارب السوداء المعاصرة، وتخطّت اعتبارات الإنسانية التي بدت ساميةً لحظة إقرارها، لتعود إلى ما قبل الحضارة، إلى غلبة الغزو والإبادة والدمار والتجويع والتطهير العرقي وكلّ المفاهيم التي حرص العالم على نبذها وتجريمها وإدانة مرتكبيها، دولاً كانوا أو أفراداً. قد بيّنت التجارب أن الحروب أخطاء تولّد أخطاء، وأن السلام فرصٌ إذا ضاعت تمهّد للأسوأ.
قد تكون النزاعات الآن في حالٍ كهذه. بعد «قمة ألاسكا»، الأميركية- الروسية، كانت الاعتراضات متوقعة على ما تبدّى من نتائجها غير النهائية في شأن «تبادل الأراضي» و«الضمانات الأمنية» وغير ذلك من صعوبات إنهاء الحرب في أوكرانيا. ثم حاولت «قمة البيت الأبيض»، الأميركية- الأوروبية، وضع أسس لتوافق غربي على متطلّبات الخروج من الحرب.
من ذلك، مثلاً، التوفيق بين تعهّدات دفاع مستقبلي عن أوكرانيا وبين شرط عدم ضمّها إلى حلف شمال الأطلسي، وكذلك معالجة مخاوف دولٍ أوروبية أخرى من «مصير أوكراني».
قد تكون المعادلة صعبة ومعقّدة، أو يستحيل حلّها، لكن الأهم أن السلام لا يتوقف تحديداً على نصوص أي اتفاق بل على التزام الأطراف بتطبيقها، وهو أمر لم يعد محسوماً ومؤكّداً بسبب فوضى ممارسات السياسة الدولية واهتزاز معاييرها. وكانت رواسب من صراعات الحرب الباردة تفاعلت طوال عقدين ونيّف إلى أن أشعلت حرب روسيا- أوكرانيا، وبديهي أن أي اتفاق مقبل يجب ألّا يُبقي أسبابَ الصراع ناراً تحت الرماد.
أما في قطاع غزّة فإن الوقائع المروّعة، من مجاعة ومن قتل بلا ضوابط وتدمير للمعالم بلا حدود، زرعت في الأرض ما لا يمكن تداركه. واصلت إسرائيل إعطاء إشارات إلى أنها فاقدة القدرة على التمييز بين مقاتلين يحاربونها وبين مدنيين لم يكن لهم دور في إشغال الحرب، فتداخل هدفها «القضاء على حماس» بإمعانها في تصفية شعب وطرده من موطنه، بل في العمل على احتلال كلّ الأرض واستملاكها.
هذه الأهداف القصوى أحبطت أي مقترحات لوقف حرب هزّت ضمائر العالم بما حملته من تحدّيات للإنسانية، وهدّدت دولاً عدة في المنطقة باستقرار مزعزع لسنوات طويلة مقبلة. كان واضحاً أن هذه الحرب نتيجة تبديد لفرص السلام، وهناك تقدير بأنها أُهدرت للوصول إلى الوضع الراهن: أفقٌ مسدود قاتم أمام الفلسطينيين، وخيارات تراها إسرائيل مكاسب وإن مسمومة.
منذ انتهاء حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، ووقف إطلاق النار باقتراح أميركي شفوي من دون اتفاق مبرم، لا يزال الانطباع السائد أن ما حصل كان مجرد «جولة قتالية» في حرب يؤكّد طرفاها أنها مفتوحة ولم تنتهِ.
مضى نحو عقدَين على أزمة البرنامج النووي، بالتفاوض فالانقطاع ثم تفاوض فاتفاق ثم تمزيق للاتفاق وعودة إلى العقوبات ثم تفاوض يفضي إلى حرب، وصولاً إلى وضع حالي مبهم قد يؤدّي أولاً إلى مواجهة في مجلس حول إعادة فرض العقوبات، وبالتالي نسف اتفاق 2015 كأنه لم يكن، وثانياً إلى احتمال تجدّد الحرب لكن من أجل ماذا؟ لا أهداف واضحة.
*كاتب ومحلل سياسي- لندن


