منذ ثورة الخميني عام 1979، لم يقدّم النظام الإيراني نفسه مجرد دولة إقليمية تدافع عن مصالحها، بل مشروعاً يسعى إلى انتزاع موقع القيادة في العالم الإسلامي. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية بين إيران والعالم الإسلامي. فطهران لا تكتفي بأن تكون دولة مؤثّرة، بل تريد أن تكون المرجعية السياسية والرمزية للمسلمين، رغم أن مراكز الثِّقل الديني والتاريخي والحضاري للإسلام تقع خارج حدودها.
فدول الخليج العربي هي مهد الرسالة الإسلامية وقلبها النّابض، ومكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا في إيران. والتراث الإسلامي الذي تشكّلت عليه هوية الأمة ووعيها وحضارتها نشأ في فضاء عربي وإسلامي أوسع بكثير من حدود الدولة الإيرانية. ولذلك وجدت طهران نفسها أمام معضلة دائمة: كيف تقود عالماً إسلامياً لا تملك مفاتيح رموزه الكبرى؟ وكيف تنافس على زعامة الأمة وهي خارج مركزها التاريخي والديني؟
ومن هنا جاء الاستثمار الإيراني الهائل في قضية القدس وفلسطين. فبالنسبة للنظام الإيراني، لا تُمثِّل القدس مجرد قضية دينية، بل تُمثِّل أيضاً بوابة سياسية ورمزية لمحاولة انتزاع شرعية القيادة الإسلامية. ولهذا رفعت طهران شعارات «تحرير القدس» و«نُصرة فلسطين» إلى مرتبة العقيدة السياسية، وقدّمت نفسها بوصفها المدافع الأول عن القضية الفلسطينية في العالم الإسلامي.
لكن هذا المشروع يحمل تناقضاً يصعب تجاهله. فمن جهةٍ، تسعى إيران إلى احتكار الحديث باسم القدس والأقصى، ومن جهةٍ أخرى تُسيء إلى الخلفاء الذين بنوا المسجد الأقصى.
وتبدو إيران في جوارها الإقليمي دولة مختلفة عن محيطها من حيث اللغة والمعتقد والثقافة والسياسة. وهذا الاختلاف ليس عيباً في حدِّ ذاته، فالعالم الإسلامي قام عبر تاريخه على التنوع. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الاختلاف إلى شعور دائم بضرورة فرض النفوذ على الآخرين وإعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الفارسية. فبدلاً من التعايش مع محيطها، سعت طهران إلى إعادة هندسته سياسياً وأمنياً بما يخدم مشروعها المرفوض.
ولهذا لم يكن التدخل الإيراني في الشؤون العربية دعماً للمستضعفين كما تزعم، بل محاولة لفرض النفوذ تحت شعارات دينية وسياسية براقة. ففي العراق تحوّلت الميليشيات المرتبطة بطهران إلى دولة داخل الدولة، تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي والأمني. وفي لبنان ساهم «حزب الله» في إضعاف مؤسَّسات الدولة وربط مصير البلاد بحسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالح اللبنانيين. وفي اليمن تدفّقت الأسلحة إلى «الحوثيين»، بينما كان الشعب اليمني يدفع الثّمن جوعاً ودماراً ونزوحاً.
والأكثر خطورة من التدخل العسكري هو المشروع الأيديولوجي الذي يقف خلفه. فطهران لا تتعامل مع العالم الإسلامي بوصفه أمة متنوعة ومتعددة، بل تسعى إلى تصدير نموذج ولاية الفقيه باعتباره مرجعية سياسية بولاية إلهية مطلقة، بشرعية من الإمام المهدي المنتظر إلى الخميني، وهذا هو قمة الدّجل والخرافة. وبهذا تتحول الولاءات من الدول والمجتمعات الوطنية إلى مراكز نفوذ مرتبطة بطهران، فتُزرع الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية وتُستنزف طاقاتها في صراعات لا تنتهي.
أما فلسطين، فهي الورقة الأكثر أهمية في هذا المشروع. فالقضية الفلسطينية تمنح إيران ما لا تستطيع الجغرافيا ولا التاريخ ولا الاقتصاد أن يمنحها إياه: شرعية شعبية في الشارع الإسلامي. ولهذا أصبحت فلسطين بالنسبة لطهران أداة سياسية تُرفع رايتها حين تحتاج إلى تعزيز نفوذها، وتُدار وفق حسابات المصالح الإقليمية حين تتغير الظروف.
ولو كانت القضية الفلسطينية وحدها هي الدافع، لكان من المنطقي أن تُوجَّه الجهود نحو بناء الإنسان الفلسطيني وتعزيز مؤسّساته ودعم اقتصاده وتعليم أبنائه. لكن الواقع يكشف أن الاستثمار الأكبر كان في أدوات الصراع التي تُبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم، وتُبقي إيران حاضرة باعتبارها المستثمر الأول في إراقة الدم الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه، تنظر طهران بقلق إلى نماذج النجاح العربي التي أثبتت أن النفوذ لا يُبنى بالسلاح وحده. فبينما استطاعت دول عربية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة بفضل رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، أن تبني نموذجاً تنموياً جعل من هذه الأرض المباركة مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والابتكار، لم تستطع إيران تقديم نموذج مماثل، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية هائلة. وبينما جذبت الإمارات العقول والاستثمارات والسياحة من أنحاء العالم، استمرت إيران في تصدير الأزمات والميليشيات والخطابات الطائفية.
ولهذا تبدو المنافسة الحقيقية بين المشروعين واضحة: مشروع يبني المدن والجامعات والاقتصادات ويستثمر في الإنسان، ومشروع يستثمر في الأذرُع المسلحة والصراعات المفتوحة والنفوذ العابر للحدود. الأول يجذب الآخرين بقوة الإنجاز، والثاني يحاول فرض نفسه بقوة السلاح.
وبينما تُنفق إيران مليارات الدولارات على شبكات وكلائها في المنطقة، يعيش ملايين الإيرانيين تحت ضغوط اقتصادية خانقة. فالتضخم يلتهم الدخول، والبطالة تتوسع، والاحتجاجات تتكرّر، فيما تستمر النُّخبة الحاكمة والحرس الثوري في توسيع نفوذهم وثرواتهم. الثورة التي رفعت شعار نصرة المستضعفين انتهت إلى نظام يطلب من شعبه التضحية الدائمة من أجل مشاريع خارج حدوده.
إنّ مشكلة إيران مع العالم الإسلامي ليست مشكلة سوء فهم أو خلاف سياسي، بل أزمة تتعلق بطبيعة المشروع نفسه. فبدلاً من أن تبحث عن مكانها الطبيعي كدولة من دول الشرق الأوسط، تُصرُّ على تقديم نفسها وصيةً عليه وقائدةً له. وبينما تسعى الأمّة إلى التنمية والاستقرار والتعاون، تستمر طهران في ملاحقة أوهام الهيمنة والزعامة.
ولن تستعيد المنطقة استقرارها ما دام هناك مَن يخلط بين خدمة الأمة والسيطرة عليها، وبين نُصرة القضايا العادلة واستغلالها، وبين القيادة التي تُكتسب بالإنجاز والقيادة التي تُفرض بالقوة. فالعالم الإسلامي لا يحتاج إلى آية الله يختبئ خلف عمامة ليتاجر بالدين، ولا إلى فقيهٍ متفيقه، ولا إلى مرجعٍ متمرجع، ولا إلى نظام يتاجر بالدين والدم والشعارات ليُهيمن عليه، بل يحتاج إلى من يعمل لمصلحته وتقدُّمه واستقراره.
*مستشار برلماني


