قد تعود الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، بعد خمسة أشهر من حرب اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير، قيّدت الملاحة في مضيق هرمز وأدخلت أسواق الطاقة في مرحلة من عدم اليقين. لكن أهمية هذه الجولة لا تكمن في موعدها، بل في الرسائل المتناقضة التي سبقتها، وما تعكسه من فارق بين ما يُقال أمام الإعلام وما يُدار خلف أبواب التفاوض. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن أنه ألغى ضربةً عسكريةً كانت وشيكة بعد طلب من بعض دول الخليج، مؤكداً أن اتفاقاً بات قريباً على مسارين: الأول لمضيق هرمز، والثاني للبرنامج النووي. وفي المقابل، نفت طهران هذه الرواية وأكدت أنها لم تطلب وقف العمليات، فيما أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التفاهم مع سلطنة عُمان حول مسار ملاحي جديد لا يعني عودة الملاحة إلى وضعها الذي كانت عليه قبل الأزمة.

ومثل هذا التناقض لا يُفسَّر بالضرورة على أنه دليل فشل، بل قد يكون جزءاً من طبيعة التفاوض نفسها. فكل طرف يحافظ على صورته أمام جمهوره وحلفائه، ويدخل أي اتفاق من موقع القوة، لا من موقع التراجع. واللافت أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا واشنطن إلى الالتزام بمذكرة التفاهم الموقعة في يونيو، معتبراً أنها ستكون أساساً للعلاقة المستقبلية. وهذه الإشارة توحي بأن الخلاف قد لا يكون على مبدأ التفاهم، بقدر ما هو على كيفية تقديمه للرأي العام. ولعل السؤال الأهم هو: لماذا الآن؟ الإجابة تكمن في حجم الكُلفة التي تحمّلها الجميع.

فالحصار البحري المفروض منذ الثالث عشر من أبريل ألحق خسائر كبيرة بالاقتصاد الإيراني، بينما سجّلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بنحو أربعة وعشرين في المئة خلال شهر يوليو، وفق بيانات التداول، وهو عبء امتدت آثاره إلى اقتصادات المنطقة والعالم.

وفي الوقت ذاته، تدرك واشنطن أن حملة عسكرية طويلة من دون أفق سياسي لن تحقق أهدافها. لذلك أصبح البحث عن مخرج سياسي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وانطلاقاً من ذلك، تبدو أمام المفاوضات ثلاثة مسارات رئيسية. أولها، وهو الأقرب في ضوء المعطيات الحالية، تفاهم تدريجي يركّز في مرحلته الأولى على إعادة تنظيم الملاحة في مضيق هرمز ورفع القيود المفروضة على حركة التجارة، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي، إلى مراحل لاحقة. وهذا المسار يمنح كل طرف ما يقدّمه إنجازاً سياسياً، من دون تنازلات كبرى دفعة واحدة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على اتفاق نووي جزئي يتضمن التزامات متبادلة بشأن التخصيب والعقوبات، لكنه يصطدم بالتباين بين المطلب الأميركي الداعي إلى تفكيك كامل للبرنامج النووي، والموقف الإيراني الذي يعتبر ذلك خطاً أحمر. ويبقى السيناريو الثالث هو استمرار حالة الهدنة الهشّة، بحيث تُوقّع تفاهمات سياسية من دون آليّات تنفيذ واضحة، لتعود الأزمة إلى الواجهة مع أول اختبار ميداني، كما حدث بعد توقيع مذكرة يونيو. ومن هنا، فإن المؤشرات الحقيقية لنجاح هذه الجولة لن تكون في التصريحات التي ستصدر خلال الساعات المقبلة، وإنما في ما سيحدث بعدها. هل سيتوقف التصعيد العسكري فعلاً؟ وهل يصدر بيان مشترك يعكس توافقاً حقيقياً، أم إعلانان منفصلان متناقضان؟ وهل تتضمن أي تفاهمات آليّات واضحة للتحقق والتنفيذ؟

وفي تقديري، فإن ما نشهده اليوم لا يمثّل نهاية للصراع، بقدر ما يمثّل محاولة لإدارته بكلفة أقل. وقد يكون التوصل إلى تفاهم يتعلق بالملاحة والتجارة والطاقة أقرب من تسوية شاملة للملف النووي، الذي سيظل العقدة الأكثر تعقيداً بين واشنطن وطهران. فهذه الحرب أعادت رسم معادلات المنطقة، والاختبار الحقيقي لأي اتفاق لن يكون في ما يُعلن على طاولة المفاوضات، بل في ما يُنفّذ على الأرض خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

*لواء ركن طيار متقاعد.