مع دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي، لم تَعُد التقنيات المتقدمة مجرد أدوات للنمو الاقتصادي، بل أصبحت من أهم أصول القوة الاستراتيجية للدول، وركيزة لأمنها القومي وقدرتها على التأثير في النظام الدولي. وكلما ازدادت هذه التقنيات حساسية، ضاقت الدائرة التي يُسمح لها بالاستفادة منها، لأن الدول المالكة لها لا تنقل تقنيات فحسب، بل تمنح امتياز الوصول إليها للشركاء الذين أثبتوا كفاءة مؤسساتهم، وانضباط أُطرهم التشريعية، وقدرتهم على حمايتها.
ولهذا، لم تَعُد التكنولوجيا المتقدمة متاحة لكل من يطلبها، بل لمن أثبت أنه جدير بحمايتها والوفاء بالمسؤوليات التي تفرضها. وهكذا غدت الثقة أصلاً استراتيجياً يسبق انتقال التقنية، ويحدّد هوية الشركاء في صناعة المستقبل.
وفي هذا السياق، يجسِّد قرار الولايات المتحدة إدراج دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن المجموعة الأميركية A:5 في نظام الرقابة على الصادرات اعترافاً بالمستوى الذي بلغته الإمارات، حتى أصبحت ضمن الدول القليلة المؤتمنة على أكثر التقنيات حساسية.
ولا تنبع أهمية القرار من التسهيلات التي يتيحها، بل من التقدير الاستراتيجي الذي يجسّده، فهو تتويج لمسار طويل من بناء المؤسسات، وترسيخ الحوكمة، والالتزام بأعلى المعايير في حماية التقنيات المتقدمة. كما يفتح أمام الإمارات آفاقاً أوسع للتعاون في أكثر القطاعات تقدُّماً، ويعزّز دورها في تطوير تقنيات المستقبل والإسهام في رسم ملامح العالم القادم، بعد أن أصبحت أول دولة عربية تنضم إلى هذه الفئة.
جاء هذا القرار ثمرةً لرؤية وطنية استراتيجية قادها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، انطلقت من قناعة بأن الثقة الدولية لا تُكتسب بالشعارات، وإنما تُبنى بدولة تمتلك المعرفة، وتطور التقنية، وتفي بالتزاماتها. وترجمت هذه الرؤية إلى خطط استراتيجية متكاملة قادت استثمارات نوعية في التعليم، والصناعة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطاقة النووية السلمية، والقدرات الدفاعية، لبناء اقتصاد معرفي، وتطوير قاعدة صناعية وتقنية متقدمة، والانتقال بالإمارات من دولة مستهلكة للتكنولوجيا إلى دولة تسهم في تطويرها وإنتاجها وتصديرها.
وأثمر هذا المشروع في بناء اقتصاد أكثر تنافسية، وقاعدة صناعية وتقنية متقدمة، مكّنت الإمارات من المنافسة في اقتصاد المستقبل، ورسّخت حضورها مركزاً إقليمياً وعالمياً للابتكار والاستثمارات النوعية. وانعكس ذلك على مكانة الإمارات الدولية، فأصبحت شريكاً موثوقاً في دعم الأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وريادة العمل الإنساني.
وجاء قرار A:5 ليمنح هذا المسار بُعداً استراتيجياً، من خلال توسيع فرص التعاون في التقنيات المتقدمة، وتعزيز جاذبية الإمارات للشراكات والاستثمارات النوعية، وترسيخ حضورها في الصناعات المستقبلية.
ويؤكد هذا القرار أن القوة في النظام الدولي لم تَعُد تُقاس بحجم الدولة أو عدد سكانها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات يثق بها العالم، وإقامة شراكات تقوم على الاعتماد المتبادل والمسؤولية. ومن هنا استحقّت الإمارات هذا التصنيف المتقدم، لأنه جاء تتويجاً لمشروع وطني متكامل، لا استجابة لاعتبارات سياسية عابرة.
لقد وضع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الأساس لدولة جعلت الوفاء، والاعتدال، واحترام العهود جزءاً أصيلاً من هويّتها السياسية. ثم واصلت، بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ترسيخ هذا النهج حتى أصبحت الثقة إحدى السمات الراسخة للدولة الإماراتية، وأحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية ومكانتها الدولية.
إن الرسالة الأعمق لقرار A:5 هي أن الأمم لا ترتقي بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تبنيه من ثقة. والإمارات لم تنل هذا الاعتراف لأنها سعت إليه، بل لأنها بنت دولة جعلت الثقة أساساً في سياساتها ومؤسساتها وشراكاتها الدولية. ولذلك فإن هذا القرار لا يمثّل مجرد تصنيف أميركي، بل شهادة دولية بأن الإمارات أصبحت من الدول التي يُؤتمن عليها في أكثر مجالات المستقبل حساسية، وأن مشروعها الوطني بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نجح في تحويل الثقة إلى قوة استراتيجية، جعلت الإمارات من الدول التي تسهم في صناعة المستقبل، ورسّخت مكانتها بين الدول الأكثر موثوقية وتأثيراً في القرن الحادي والعشرين.
*كاتب وباحث إماراتي