من بين الخطوات العظيمة التي اتخذتها الإمارات قبيل تأسيسها، أنها جعلت قيام الدولة نتيجةً لعهد، لا العهد نتيجةً لقيام الدولة. وبين الفكرتين يكمن سر التجربة الإماراتية كلها. ففي الثامن عشر من يوليو 1971، لم يكن المشهد مجرد توقيع وثيقة أو إعلان اسم دولة أو اعتماد دستور. كان اتفاقاً تاريخياً على أن المستقبل لا يُبنى بالغلبة، بل بالثقة، ولا بالمنافسة، بل بالشراكة، ولا بقوة السلاح، بل بقوة الكلمة حين تتحول إلى عهد لا يُنقض. ولهذا لم يكن الاتحاد حدثاً سياسياً عابراً، بل كان تأسيساً لأخلاق الدولة قبل مؤسساتها.
ولعل هذا ما أراد أن يرسخه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، حين أعلن الثامن عشر من يوليو «يوم عهد الاتحاد». فالدول كثيرة، أما العهود المؤسسة للدول فقليلة. والتاريخ يحتفظ بأيام إعلان الاستقلال، لكنه نادراً ما يحتفي باليوم الذي وُلدت فيه الفكرة التي صنعت الاستقلال والاستقرار معاً.
ولذلك، فإن قيمة هذا اليوم لا تكمن في استذكار الماضي، بل في تفسير الحاضر. فمن يريد أن يفهم كيف استطاعت الإمارات أن تبني نموذجاً متماسكاً في محيط شديد الاضطراب، فعليه أن يعود إلى تلك اللحظة التي قرر فيها المؤسسون أن الوحدة ليست خياراً سياسياً مؤقتاً، وإنما قدراً استراتيجياً وأخلاقياً للأجيال القادمة.
لقد أثبتت السنوات أن الوثائق وحدها لا تصنع الأوطان، وأن الدساتير وحدها لا تحمي الدول، وأن الثروات مهما عظمت لا تكفي لصناعة الاستقرار. الذي يحمي الأوطان هو أن يتحول العهد إلى ثقافة، والثقة إلى سلوك، والانتماء إلى مسؤولية يومية. وحين تبلغ الدولة هذه المرحلة، يصبح الدفاع عنها فعلاً تلقائياً، لا استجابة ظرفية.
ولهذا لم يكن مشهد التكاتف الوطني في مواجهة التهديدات التي استهدفت أمن الإمارات واستقرارها أمراً مفاجئاً، ولم يكن بحاجة إلى حملات تعبئة أو دعوات للاصطفاف. فالذي تراكم طوال أكثر من خمسة عقود لم يكن مجرد إنجازات اقتصادية أو عمرانية، وإنما كان بناءً متواصلًا للإنسان، وترسيخاً لعلاقة متبادلة من الثقة بين القيادة والمجتمع. ولهذا وقف الجميع صفاً واحداً، لا دفاعاً عن حدود فحسب، بل دفاعاً عن نموذج أثبت أن التنمية والأمن والاعتدال والتسامح ليست شعارات سياسية، وإنما أسلوب حياة.
ولعل أجمل ما في التجربة الإماراتية أنها لم تجعل قيم الاتحاد حكراً على المواطنين وحدهم، بل جعلت كل من يعيش على أرضها يشعر أنه معنيُ بحماية هذا الاستقرار وصون هذا النجاح. فحين تمنح الدولة الإنسان الأمن والكرامة والعدالة والفرصة، يتحول الانتماء إليها من إقامة إلى مشاركة، ومن علاقة قانونية إلى علاقة وفاء. إن الأمم لا تُختبر في احتفالاتها، وإنما في أزماتها. وهناك فقط يظهر الفرق بين وطن يحتاج كل مرة إلى من يشرح لأبنائه معنى الولاء، ووطن أصبح الولاء فيه جزءاً من الوعي العام. وهذا هو الإنجاز الحقيقي الذي صنعه «عهد الاتحاد»، فقد أنشأ دولة قوية، لكنه قبل ذلك أنشأ مجتمعاً يعرف أن قوة الدولة ليست مسؤولية مؤسساتها وحدها، بل مسؤولية كل من ينتمي إليها ويؤمن برسالتها.
لذلك، فإن الثامن عشر من يوليو ليس صفحةً في كتاب التاريخ، بل هو الصفحة الأولى في كتاب المستقبل. ففي ذلك اليوم لم يوقّع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام وثيقة الاتحاد فحسب، بل وقّعوا عقداً أخلاقياً ما زالت الإمارات تجدده كل يوم، وتثبت في كل منعطف أن الأوطان التي تُبنى على العهد، لا تهزها الأزمات، بل تكشف معدنها.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.