قبل قُرابة ستين عاماً، نشر المفكر المغربي عبدالله العروي كتابَه الشهير «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» الذي تزامن مع عدد من الكُتب المماثلة، التي انساقت كلها نحو النقد الأيديولوجي للثقافة العربية والمشاريع السياسية القومية، من بينها: كتاب ياسين الحافظ «الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة»، وكتاب أنور عبد الملك «أيديولوجيا النهضة الوطنية».
ورغم الاختلاف الواسع بين هذه الكتابات، من حيث الرؤية والمنهج والخلفيات الفكرية، إلا أنها تلتقي في الهدف ذاته الذي هو نقد الأيديولوجيا العربية السائدة، من حيث فشلها في توجيه وتسديد المطالب الحداثية للمجتمع العربي. كانت هذه الأعمال تعبيراً عن الأزمة النوعية الأولى التي مرَّ بها الوعي القومي العربي بعد هزيمة 1967 التي كرّست فشلَ التجربة الناصرية. ولا شكَّ في أن الأزمة النوعية الثانية ارتبطت باحتلال الكويت سنة 1990، والذي كان تعبيراً عن الانهيار القيمي والأخلاقي للأيديولوجيا الثورية القومية وبداية تصدُّع خطير للنظام الإقليمي العربي من داخله.
الأزمة الثالثة هي انهيار آخر تجارب النُّظم الأيديولوجية القومية (في العراق ثم ليبيا وسوريا)، في الوقت الذي لم تزل بعض النُّخب العربية تتشبث بحلم الثورة التحررية الكبرى عبر البوابة الإيرانية، كما ظهر في الأحداث الأخيرة التي انحاز فيها البعض للعدوان الإيراني على الدول العربية.
والمفارقةُ الكبرى هي أن كل الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي تؤكد أن الرابطة العروبية لم تنفك تتعزز في الوعي الجماعي العربي وفي الممارسات العينية، بينما تنهار البُنياتُ الأيديولوجيةُ التي قامت أصلاً من أجل صياغة وتقنين هذا الوعي القومي.
ولتفسير هذه الظاهرة، قد يكون من المناسب الرجوع إلى دراسة معروفة للفيلسوف الفرنسي بول ريكور بعنوان «الأيديولوجيا واليوتوبيا» (محاضرات أُلقيت أصلاً في جامعة شيكاغو عام 1975)، يبيِّن فيها أن كلَّ مجتمع يحتاج إلى البُعدين معاً: الأيديولوجيا لبناء الهوية الجماعية وتغذية الذاكرة المشتركة وتشريع الوضع القائم، واليوتوبيا للتغيير النقدي واستكناه المستقبل ودفع مسار التغيير. إلا أن ريكور يبيّن أن الأيديولوجيا، كما بيَّن كارل ماركس قبله، يمكن أن تكون عاملَ استلابٍ وتزييف للوعي، كما أن اليوتوبيا يمكن أن تكون المسلكَ المؤدي للاستبداد والتسلط عندما تنزع إلى فرض التغيير من الأعلى وإقصاء كل صوت مختلف نشاز. ما حدث في الساحة العربية هو تضافر الاختلالين معاً: الاغتراب الأيديولوجي الذي أعاق المعالجةَ الموضوعيةَ العقلانية لمأزق التقدم والتحديث في المجتمعات العربية، والمثالية العدمية التي طبعت الأداءَ السياسي للأنظمة الثورية الراديكالية.
وفي المنحى الأول، نشير إلى العديد من الممارسات والمخططات التي استهدفت التقنينَ الأيديولوجي للوعي العربي من خلال كتابة سردية تاريخية مضلّلة للأمة، أصبح من الصعب اليوم التحررَ منها، وتعويض البناء الفلسفي النقدي بالبرامج الأيديولوجية المعلَّبة، إلى حد اختفاء المناهج والبرامج الفلسفية والإنسانية الرصينة في جامعات البلدان التي حكمتها الأنظمةُ الثورية الراديكالية.وفي المنحى الثاني، نشير إلى تدمير الممارسة السياسية من حيث هي إدارة للحرية والتنوع، واستبدالها بالأحادية الحزبية والإجماع الوهمي القسري، حتى في البلدان التي عرفت قبل الأحكام العسكرية تجاربَ ليبراليةً غنية.
العالم العربي يعاني اليوم من نضوب الأيديولوجيا وغياب اليوتوبيا: الأيديولوجيا في دلالتها الإيجابية، أي مقومات الوعي والهوية والسردية الجماعية في مواجهة التفكك والضياع، واليتوبيا من حيث هي أفق التحول ومدار النقد والتجاوز.
في الحقل السياسي العربي الراهن، نعيش أزمةً أيديولوجيةً عميقةً تطال كل الأنساق الحداثية التي قام عليها الفكر العربي المعاصر، كما نعيش أزمةَ مستقبل واستشراف تتعلق بغائيّة التقدم نفسِها التي شكّلت منذ القرن التاسع عشر محورَ الديناميكية التنويرية العربية.
بعد ثلاثين عاماً على صدور «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، نشر عبدالله العروي كتابَه «السنة والإصلاح»، الذي ينتقل فيه من فكرة الثورة «التاريخانية» إلى هدف الإصلاح الديني والثقافي، الذي اعتبره أكثر ملاءمةً للمجتمعات العربية في مسارها التحديثي النهضوي. ما أدركه العروي هو أن الأيديولوجيات الراديكالية القطائعية لن تحقق حاجات المجتمع العربي في التغيير والتقدم، وبذا يكون المدخل الواقعي والمتاح هو الإصلاح المتدرِّج الذي يراعي حقائقَ الوضع القائم مع الاحتفاظ ببوصلة المستقبل وأفق التحول.
ما لم يتوقعه العروي في كتابه الذي صدر قبل أحداث ما سميَّ «الربيع العربي»، هو أن البناءات الأيديولوجية السائدة لم تستطع حمايةَ المجتمعات العربية من التفسخ والانهيار، وبالتالي لا سبيل لتصور مطالب الإصلاح وفق مسلك النقد الأيديولوجي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وضع هندسة سياسية ومجتمعية كاملة لإعادة بناء الواقع العربي.
*أكاديمي موريتاني


