كغيري من ملايين عشاق الساحرة المستديرة تابعت بعض مباريات كأس العالم، التي أسدل الستار عليها بعد ماراثون هو الأطول في تاريخ البطولة منذ انطلاقتها عام 1930، ومع تغول صناعة البيزنس على اللعبة، ووقوع بعض التجاوزات التنظيمية والتحكيمية، زاد الحديث عن طريقة وأسلوب إدارة اللعبة، وتساءل الكثيرون، هل انتهى عصر «الفير بلاى».
خلال هذه الدورة بالذات بات واضحاً، أن كرة القدم لم تعُد مجرد لعبة، بل صناعة كبيرة وبيزنس يقدّر بأرقام فلكية مذهلة، وفق تقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ومنظمة التجارة العالمية، فإن كأس العالم 2026 أضاف نحو 40.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي العالمي.
هذه المكاسب التي حقق منها الاقتصاد الأميركي وحده 17.2 مليار دولار، دفعت الأميركان نحو السعي إلى استضافة بطولات كبرى أخرى مقبلة في مقدمتها كوبا أميركا 2028، وكأس العالم للأندية 2029 إضافة إلى كأس العالم للسيدات 2031 بالشراكة مع المكسيك.
ولأن هاجس الأرباح هو المحرك الأكبر لمعظم القرارات، فقد لعبت الفيفا على وتر شغف الشعوب بالبطولة التي تقام مرة كل أربع سنوات، وسمحت بتوسيع قاعدة المشاركة فيها من 32 إلى 48 منتخباً، متجاهلة آراء العديد من الخبراء الذين اعتبروا أن إتاحة الفرصة لفرق غير مصنّفة قد أضر بجودة المباريات وزخم المنافسة في هذا الكرنفال والحدث العالمي.
القرار كان تسويقياً بالدرجة الأولى، هدفه مضاعفة الأرباح، وبالفعل نجح رهان الفيفا، فبرغم شدة الحرارة وارتفاع أسعار تذاكر المباريات بصورة مبالغ فيها، فإن ذلك لم يمنع من حضور كثيف للجماهير، وجذبت البطولة أكثر من 6 ملايين متفرج في المدرجات، وهو رقم قياسي يصعب كسره في المستقبل القريب.
كما رأينا الجدل الذي أثارته استراحة «الوتر بريك» التي ابتدعتها الفيفا خلال البطولة في منتصف كل شوط، وبرغم محاولات تفسير التوقف بغرض الحفاظ على سلامة اللاعبين وحمايتهم من الإجهاد والظروف المناخية، فإن أبعاده التجارية ظهرت سريعاً، حيث حققت شبكة «فوكس» الأميركية نحو 250 مليون دولار من عائدات الإعلانات المرتبطة به، فقيمة الإعلان التلفزيوني لمدة 30 ثانية تراوحت ما بين 200 ألف و750 ألف دولار.
حتى تذاكر المباريات تربّح منها الفيفا (خاصة في حالة إعادة البيع)، وقفز الحد الأدنى لسعر تذكرة المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين إلى نحو 7380 دولاراً، في واحدة من أغلى المباريات في تاريخ كرة القدم، ولأن الاستثمار حاصر كل جوانب اللعبة، فقد تم عرض أرضية ملعب ميتلايف الذي استضاف اللقاء مقابل 450 دولاراً للقطعة، ليحتفظ بها المشجع كتذكار من البطولة.
وفي السياق ذاته، طبق الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» سياسات صارمة لحماية حقوق الرعاة الرسميين، وفي بعض الأحيان تم تغطية وإخفاء الشعارات التجارية غير المعتمدة، بما يضمن الحفاظ على الامتيازات التسويقية للشركات الراعية التي تربطها علاقة وثيقة بالاتحاد، لتواصل ضخها مليارات الدولارات في بطولاته الكبرى.
ليس هذا فحسب، فمجلة «فوربس» الأميركية نشرت تقريراً، كشفت فيه أن حجم المراهنات المرتبطة بمباريات كأس العالم تجاوزت قيمتها «593 مليار دولار»، كما كشفت قيام (الفيفا) بترخيص حقوق البث المباشر للمباريات لعلامات وتطبيقات تجارية قانونية للمراهنات لأول مرة، مما أتاح للجماهير مشاهدة المباريات و«المراهنة ضمن التطبيق نفسه».
تؤكد هذه الوقائع أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة، بل أصبح واحداً من أكبر المشاريع الاقتصادية والترفيهية على مستوى العالم، حيث تتحرك مليارات الدولارات بالتوازي مع كل صافرة بداية، ومن المؤكد أن «الهوامير» لا تشغلهم نتائج المباريات، إلا بالقدر الذي يحصدونه من مكاسب، وقبل أن تنطلق البطولة دارت المفاوضات حول الصفقات المرتقبة والرهانات، وهكذا تحوّلت اللعبة ذات الشعبية الأولى في العالم إلى فرصة ذهبية سعى لاقتناصها والفوز بكأسها الذهبية السماسرة والرعاة.
لا شك أن هذه الممارسات أحدثت تشويشاً أفقد اللعبة -التي يعشقها الملايين بجنون- بعض بريقها، ومن البديهي أن تترك هذه الزاوية ظلالها وبصماتها على ما يجري فوق المستطيل الأخضر، حتى توارت النقاشات التقليدية حول نتائج المباريات وأداء الفرق المشاركة، بينما تزايد الحديث عن مستقبل اللعبة.
نصيحة للسيد جياني إنفانتينو رئيس الفيفا، لا تجعل التسويق أهم من اللعبة نفسها، حتى بات البعض يحذر من تأثيره على نزاهة مسابقات اللعبة، ولتحذر غضبة الجماهير، فلو اكتشفوا ما يجري لخداعهم خلف الكواليس، لانفضوا عن اللعبة وفقدوا الشغف بها الأمر الذي قد يتسبب في انهيارها تماماً.