لفهم الأمم وتوجهاتها من الضروري جداً فهم الوثائق التي تصدر من مفكريها واستراتيجيها البارزين، والذين يمثلون تياراً أو تكتلاً سياسياً أو دينياً، أو مزاجاً مجتمعياً عاماً بني على أسس ومنطلقات راسخة في الذاكرة الشعبية ومستلهمة من نصوص دينية، أو عادات الشعوب وفلكلورها السياسي، وهي عبارة عن دستور غير مكتوب. وهنا لا بد من التوضيح أن الدساتير العرفية هي القاعدة التي تنطلق منها الدساتير الرسمية للدول، ووثيقة «خطة ينون» التي كتبها الكاتب والمحلل الاستراتيجي الإسرائيلي عوديد ينون، والذي عمل سابقاً في وزارة الخارجية الإسرائيلية، ويعتقد أنه كان على صلة ببعض دوائر التخطيط السياسي في الحكومة الإسرائيلية، هي وثيقة نشرت في فبراير من عام 1982 في مجلة إسرائيلية تدعى «كيفونيم» (Kivunim)، وهي دورية فكرية كانت تصدر عن قسم الإعلام بالمنظمة الصهيونية.
تعد وثيقة «خطة ينون» واحدة من أكثر النصوص الفكرية إثارةً للجدل في الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة، لما تحمله من مضامين تتجاوز التنظير العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل البنية الجيوسياسية والاجتماعية لمنطقة الشرق الأوسط وفق رؤية تفكيكية صريحة، وتحمل رؤية ترتكز على إعادة هيكلة المحيط الإقليمي لدولة إسرائيل من منظور طويل الأمد يدمج الأمن القومي بالعقيدة التاريخية والرؤية الديموغرافية، وهي وثيقة منطلقة من مبدأ الأمن الإسرائيلي، وعقيدة بن غوريون التي وضعها أول رئيس وزراء لإسرائيل وتقوم على: التفوق العسكري الدائم، والضربة الوقائية الاستباقية، والردع الإقليمي عبر القوة المفرطة، وتفتيت وتحييد البيئة الإقليمية، وكذلك وثيقة «إسرائيل واحدة، كاملة ويهودية» والتي صدر بها قانون في سنة 2018، ويعرف بـ «قانون القومية اليهودية»، والذي ينص على أن «إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي فقط»، والمادة 1-(ج) فيه تأكد على أن «ممارسة الحق في تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي»، واعتبار الاستيطان اليهودي قيمة وطنية وهي عقيدة أمن قومي غير مكتوبة تطبق كل يوم.
ويبدو لي أن هندسة الفوضى كعقيدة استراتيجية هو ما ترمي إليه الوثيقة، وتطرح رؤية عميقة ترى أن الاستقرار السياسي المركزي في الجوار يشكل تهديداً دائماً، وبالتالي فإن المطلوب ليس إخضاع الخصوم بل تفتيتهم من الداخل عبر استثمار الانقسامات الطائفية، والإثنية، والقبلية، وتحويلها إلى خطوط تماس قابلة للاشتعال، والهدف الجوهري يتمثل في تحويل الكيانات السياسية إلى وحدات صغيرة عاجزة عن تشكيل تكتل أو خطر مستقبلي، ما يخلق فراغاً دائماً في ميزان القوى الإقليمي، وهذا التصور يندرج ضمن ما يعرف نظرياً ب «الهندسة الجيوسياسية السلبية»، والتي تقوم على مبدأ أن التفوق لا يحقق فقط بالقوة الذاتية، بل كذلك بإضعاف البيئة المحيطة إلى الحد الذي يجعل من التفوق البنيوي أمراً تلقائياً، ولا يحتاج إلى صدام دائم.
وفي جوهر «خطة ينون» تعميق التناقضات الداخلية لدول المنطقة وزرع تنظيمات مسلحة خارجة عن نظام الدولة في محيط التهديد لتسلم الأراضي المستهدفة التي تعج بالثروات على صحن من ذهب. وتستند الوثيقة إلى فرضية أن هذه الدول متعددة الطوائف والأعراق ويصعب أن تبقى متماسكة، ويجب الاستثمار في هذه التناقضات، وتقسيم هذه الكيانات إلى دويلات متناحرة على أسس دينية أو قومية، ما ينتج بيئة من الصراعات المتوازنة، وهي الحالة المثلى التي تطمح الخطة إلى تكريسها. والمفارقة أن هذا الطرح لا يكتفي بالتوصيف بل يدعو صراحةً إلى تغذية التفكك عبر شيطنة الآخر، ودعم جماعات معينة، وتوجيه الصراع ليتحول لنزاعات أهلية وطائفية تستنزف الموارد وتضعف المراكز.
رغم أن الوثيقة ليست وثيقة رسمية صادرة عن حكومة، فإن تصريحات كبار المسؤولين في إسرائيل عن «إسرائيل الكبرى» وحق العيش الحصري لهم فقط في المنطقة وتهجير الفلسطينيين والسيطرة على بيت المقدس ومصادرة منابع المياه في الدول الملاصقة أصبح مطابق للواقع الميداني والتطورات المتسارعة في تلك الملفات يثير تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت هذه الرؤية مجرد تنبؤ استراتيجي، أم أنها تحولت فعلاً إلى مخطط إرشادي لبعض صناع القرار خلال العقود الأربعة الأخيرة؟
شهدت المنطقة بالفعل حالات متعددة من التفكك والفوضى، وتعدد مراكز السلطة داخل الكيان الواحد، وهو ما أتاح لقوى خارجية توسيع هامش مناوراتها بشكل غير مسبوق، ومن زاوية نظرية العلاقات الدولية يمكن قراءة الوثيقة ضمن إطار واقعية الفوضى، حيث لا يكون الأمن ناتجاً عن توازن قوى، بل عن غياب أي قوة منافسة قادرة على التنظيم أو المبادرة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.


