لم يعد الجدل في لبنان محصوراً حول قرار تسليم السلاح أو عدمه، بل انتقل إلى معادلة أخطر: من يملك القرار الفعلي في رسم مستقبل البلاد؟ فـ«حزب الله»، ومن خلفه طهران، لا يتعاملان مع السلاح كمسألة لبنانية داخلية، بل كورقة إقليمية تستخدم في المساومة مع واشنطن وتل أبيب. وعليه، فإن أي محاولة للحكومة لفرض قرارها بجمع السلاح تصطدم مباشرة باستراتيجية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ما يضع بيروت أمام مواجهة لا طاقة لها بها.

الخطورة هنا أن الحزب يلوّح بالشارع، لا لانتزاع مكاسب سياسية محدودة، بل لفرض قاعدة جديدة: لا قرار يمر من دون موافقته. وهذا يضع لبنان على خط انقسام داخلي عميق، لأن أي تحرك شعبي يقابله تحرك مضاد، ومع غياب قدرة الدولة على الضبط، فإن الانزلاق نحو فوضى أهلية يصبح وارداً. ومع ذلك، يراهن «حزب الله» على أن خصومه لن يجرؤوا على مواجهة مفتوحة، وأن المجتمع الدولي سيضغط في النهاية لقبول الأمر الواقع.

لكن ما يغفل عنه الحزب أن الدعم العربي والدولي للحكومة الحالية، ولرئيسي الجمهورية والحكومة، أقوى مما يتصور، وأن أي محاولة لإسقاط السلطة عبر الشارع ستُواجه برفض خارجي واسع. في المقابل، تستعد إسرائيل على جبهتها الشمالية بقراءة مختلفة. استدعاء ستين ألف جندي احتياط وتأجيل تسريح عشرين ألفاً آخرين، لا يمكن تفسيره فقط بالتحضير لعملية في غزة، بل هو جزء من استراتيجية ردع شاملة: الضغط على «حماس» بالتوازي مع التلويح للبنان بأن ساعة الحساب قد اقتربت. وجود ثلاث فرق عسكرية في الشمال وانتشارها على تخوم لبنان وسوريا يشير إلى أن قرار الحرب يمكن أن يُتخذ بسرعة، خصوصاً إذا فشلت خطة نزع السلاح أو تعثّرت مفاوضات غزة.

والسيناريو الأخطر أن تُعيد إسرائيل استخدام أسلوب «الأرض المحروقة» والتقدم البطيء، ليس فقط لإضعاف «حزب الله»، بل لإحداث تغيير دائم في معادلة الحدود، عبر قضم أراضٍ جديدة وفرض شروط أكثر قسوة لانسحابها لاحقاً. عندها لن تكون الخسارة محصورة بالدمار أو بالنازحين، بل بهزيمة سياسية كبرى تفقد الدولة ما تبقّى من ثقة المجتمع الدولي بها. ما هو مطروح أمام لبنان اليوم ليس مجرد خيار بين تسليم السلاح أو الاحتفاظ به، بل بين الانزلاق إلى حرب جديدة تُدار بقرارات إيرانية وإسرائيلية فوق رؤوس اللبنانيين، وبين محاولة أخيرة لترميم مفهوم الدولة. لا أحد ينكر أن الدولة اللبنانية ضعيفة ومُكبّلة، لكن استمرار التردد سيجعلها غائبة تماماً، فيما يتحول البلد إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وحده موقف حازم، مدعوم من الداخل ومن الأشقاء العرب، قد يمنع هذه المغامرة القاتلة. أمّا ترك الأمور على سجيتها، فهو الطريق الأقصر إلى حرب قادمة، حيث لن يخرج أحد منتصراً، وسيخسر لبنان أكثر مما يحتمل.

*لواء ركن طيار متقاعد