من يراقب المشهد في المنطقة اليوم يلاحظ أن الأحداث تسير بخطى ثابتة نحو توترات حتمية، حتى لو حاولت الأطراف تجنبها بالكلام الدبلوماسي. فالمسألة لم تعُد خلافاً سياسياً، بل تحولت إلى صراع وجود ومصالح ونفوذ بين محورين لا يلتقيان.
إيران تنظر إلى نفسها على أنها صاحبة رسالة إقليمية ودور تاريخي، لكنها منذ سقوط الشاه تعيش في مواجهة مفتوحة مع الغرب، فالعقوبات المفروضة عليها، والعزلة، واستهداف قدراتها النووية دفعتها لتوسيع نفوذها عبر جماعات حليفة تمتد من لبنان إلى اليمن. هذه الشبكة جعلت طهران تشعر بأنها لم تعد دولةً معزولةً، بل محوراً فاعلاً يمتلك أوراقاً للتفاوض وفرض أجنداته وتحقيق مصالحه في كل مكان.
في المقابل ترى إسرائيل أن هذا التمدد الإيراني خنجراً يقترب من خاصرتها، وهي لا تنسى تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول زوال الكيان، ولا تتهاون في عقيدة أن لها جغرافيا تاريخية مُنحت لهم بصك إلهي خالص، وقد حان الوقت لاسترجاعها، وأزالت من الطريق كل العقبات للوصول إلى ذلك الهدف، فلا التخلي عن سيادة كاملة للقدس ولا وجود لفلسطين كدولة مقبولاً في ذلك السياق.
أما واشنطن فترى الصورة من زاوية مختلفة، فالشرق الأوسط بالنسبة لها ليس فقط مصدراً للطاقة، بل هو المفتاح الحقيقي للسيطرة على العالم القديم الممتد من آسيا إلى أفريقيا، أي القلب الجغرافي الذي تحدث عنه «ماكندر» قبل أكثر من قرن. ومن يملك السيطرة على المنطقة يملك القدرة على التأثير في خطوط التجارة وأسعار الطاقة، واستقرار الأسواق العالمية، وهي أرض الميعاد السماوية، ولذلك فإن أي حرب هنا ليست مجرد نزاع إقليمي، بل تحرك بأمر رباني خالص واختبار جديد لهيمنة أميركا واعتراض التمدد الروسي الصيني.
الخليج اليوم يواجه تحديات، في إقليم يعج بتوترات، تنتظر الشرارة الأولى، فقد تكون ضربةً لطائرة مسيّرة، أو هجوماً على ناقلة نفط، أو مواجهة في جنوب لبنان أو البحر الأحمر، فالجميع يعلم أن النتائج لن تبقى محصورةً في حدود الحدث بل ستتمدد كالنار في الهشيم.
 والخطر الأكبر أن الحرب المقبلة في المنطقة لن تكون كلاسيكية، فالميليشيات المسلحة الرقمية، والطائرات المسيّرة، والتشويش الإلكتروني والهجمات السيبرانية أخذت بعداً غير مسبوق وخارج عن السيطرة، وكلها أدوات جاهزة تنتظر ساعة الصفر وعمليات مخفية تجعل سلاح الجو خارج الخدمة والدفاع الجوي بقدرات محدودة لا قيمة لها.المشكلة أن الخليج رغم قوته الاقتصادية يقع في قلب منطقة محفوفة بالمخاطر، على سبيل المثال مضيق هرمز شريان العالم النفطي لو أُغلق ليوم واحد ستتوقف الملاحة في نصف الكرة الأرضية، ومع أن دول الخليج استثمرت كثيراً في أمنها ودفاعها، إلّا أن موقعها يجعلها أول من يتأثر بالتوترات وآخر من يهدأ إذا اندلع الصراع بين الأطراف المتنازعة. أما الولايات المتحدة فهي من يهندس الحدث لتبرير عودتها بقوة إلى المنطقة تحت عنوان «حماية الاستقرار العالمي»، لكنها في الحقيقة ستعيد ترتيب المشهد لصالحها، كما فعلت مراراً منذ حرب الخليج الأولى، إنها سياسة «الفوضى المنظمة»، التي تضعف الجميع لتبقى هي الضامن الوحيد، وعليه مهما حاولت الأطراف تجنب الحرب، فإن التاريخ والسياسة والاقتصاد يفرضانها فرضاً.
فإيران لن تتراجع عن مشروعها النووي، ولا عن نفوذها الإقليمي، وإسرائيل لن تقبل بوجود دولة تهدد وجودها في المنطقة، سواءاً كانت إيران أو غيرها، وأميركا لن تسمح بقيام نظام إقليمي جديد لا تكون هي مركزه، والخليج العربي رغم تماسكه  فهو أحد الأهداف الرئيسية وأولوية في مشروع الهيمنة الغربية الأكبر، فتفكيك المنطقة العربية وراء كل ما يحدث في مسرح الاختبار الأصعب، لأن كل الأطراف ترى فيه الكنز الحقيقي: النفط، والممرات، والمال، والموقع، وثروات معدنية نادرة غير مكتشفة أو لم تلمس كمخزون استراتيجي للأجيال القادمة، ناهيك أن المنطقة هي مركز النبؤات الروحية المتفق عليه بين كل الديانات السماوية.
التوترات المتواصلة تحتم وجود تحالفات جديدة، والتوترات المتواصلة أشبيه بحرب على هوية المنطقة ومكانتها في العالم، بينما الخليج لم يعد مجرد تابع في معادلات القوى، ولا الجائزة الكبرى التي يسعى الجميع للسيطرة عليها أو تحييدها، بل قوة تدرك مصالحها والتحديات المحيطة بها. 
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.