تُواصل دولة الإمارات العربية المتحدة ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي يجمع بين رؤية التنمية المستدامة والابتكار العلمي والذكاء الاستراتيجي في بناء الصورة الوطنية. ومن خلال مزيج متقن من القوة الناعمة والاستثمار في الإنسان والمعرفة، استطاعت الدولة أن تتصدر مراتب متقدمة عالمياً في مجالات الاستدامة والتعليم والذكاء الاصطناعي، حتى غدت نموذجاً يحتذى به في التخطيط المستقبلي والإدارة الذكية للموارد. لم تعُد الاستدامة في الإمارات مجرد شعار بيئي، بل أصبحت نهجاً وطنياً تتقاطع فيه السياسات الحكومية مع الممارسات اليومية للمجتمع والمؤسسات.

وقد برزت الدولة كقوة مؤثرة في صياغة مستقبل الطاقة النظيفة عبر استضافتها مؤتمر «كوب28» الذي تمخّض عن الاتفاق التاريخي الذي عُرف باسم «توافق الإمارات»، وهو اتفاق دولي مثّل نقطة تحول في الحوار العالمي حول المناخ والانتقال العادل في مجال الطاقة. وإلى جانب ذلك، رسّخت مشاريع مثل مدينة مصدر ومجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية حضورَ الإمارات في مجال الطاقة المتجددة، بينما يحتضن مقرّ الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) في أبوظبي أحد أهم المراكز العالمية لصناعة القرار في مجالها. هذه الجهود دفعت الإمارات إلى احتلال المرتبة الخامسة عالمياً في مؤشر جودة البنية التحتية للتنمية المستدامة، ولتؤكد أن الاستدامة أصبحت أحدَ أعمدة قوتها الناعمة ومؤشراً على نضج رؤيتها الاقتصادية.

أمّا فيما يتعلق بالتعليم الأكاديمي، فقد أدركت الإمارات أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأنجح، ولذلك تبنّت رؤية تعليمية تواكب التحولات العالمية نحو المعرفة والابتكار. وشهدت جامعات الدولة تطوراً نوعياً في الأداء الأكاديمي والبحثي، إذ تقدّمت جامعة خليفة إلى مراكز متقدمة في تصنيف QS العالمي، كما رسّخت جامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة نيويورك أبوظبي مكانتيهما ضمن الجامعات ذات الحضور الدولي في مجالات البحث العلمي والتعليم العالي.

ولا يقتصر التميُّز على الجامعات فحسب، بل يمتد إلى مبادرات نوعية تستهدف تعليم المهارات المستقبلية، وتعزيز ثقافة التفكير النقدي والابتكار لدى الطلبة، بما ينسجم مع متطلبات اقتصاد المعرفة الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه. وبما أنَّ الذكاء الاصطناعي باتَ لغةً لهذا الزمان، فإننا نرى بأنَّ الإمارات استشرفت مبكراً أهمية الذكاء الاصطناعي في تشكيل مستقبل الاقتصاد والتعليم والإدارة، فأطلقت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وأسّست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعة بحثية متخصّصة في هذا المجال على مستوى العالم. وإلى ذلك فالإمارات الحبيبة من أوائل الدول التي عيّنت وزير دولة للذكاء الاصطناعي عام 2017، في خطوة تعكس نضج الرؤية وجرأة المبادرة.

وقد نجحت مؤسساتُها البحثية، مثل معهد الابتكار التكنولوجي، في تطوير نماذج لغوية متقدمة مثل Falcon التي نافست على المستوى الدولي وأصبحت متاحة للبحث والاستخدام العام. وصنّف مؤشر استعداد الحكومات للذكاء الاصطناعي (Oxford Insights 2024) الإمارات ضمن أعلى 15 دولة عالمياً، والأولى إقليمياً في جاهزية البنية المؤسسية لتبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يبرهن أن الدولة لم تكتفِ بالتخطيط بل تحوّلت إلى منتج فعلي للتقنيات المستقبلية.

وختاماً، نجد بأنَّ ما يميز التجربة الإماراتية أنها لا تنظر إلى الاستدامة والتعليم والذكاء الاصطناعي كمجالات منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تصنع اقتصاداً معرفياً مرناً، وتبني مجتمعاً مبتكراً قادراً على التكيّف مع المستقبل. إن هذا التوازن بين الصرامة في التخطيط والمرونة في التنفيذ، بين الأصالة في القيم والحداثة في الفكر، هو ما يجعل الإمارات اليوم نموذجاً فريداً في المنطقة والعالم، ومثالاً رائعاً لمستقبل التنمية البشرية المستدامة.

*كاتبة إماراتية