بينما كانت المنطقة تترقب خطوات حاسمة لدفع مسار التسوية في اليمن، أعاد التصعيد الأخير في مدينة المكلا الساحلية طرح أسئلة حساسة حول طبيعة التنسيق داخل «تحالف دعم الشرعية»، وحدود التفاهم بين أطرافه في لحظة إقليمية معقدة. فبعيداً عن المشهد العسكري المباشر، تكشف التطورات الأخيرة عن أزمة أعمق تتعلق بتباين القراءات السياسية، وسوء تقدير الأدوار، أكثر مما تعكس خلافاً استراتيجياً حول الأهداف الكبرى للتحالف.

الحقائق والالتباس: دعم لوجستي أم قراءة خاطئة؟

بحسب المعطيات المتداولة، فإن الاستهداف الذي طال محيط ميناء المكلا لم يكن نابعاً من ضرورة ميدانية ملحّة، بقدر ما جاء نتيجة تقديرات سياسية وأمنية غير دقيقة. فالسفن الإماراتية التي وُجدت في الميناء، وفق بيانات رسمية إماراتية، لم تكن تحمل شحنات ذات طابع هجومي، بل ارتبط وجودها بترتيبات لوجستية تتصل بمهام مكافحة الإرهاب التي شاركت فيها الإمارات لسنوات ضمن إطار التحالف، وبالتنسيق مع شركاء دوليين. ومن هنا، يبرز الالتباس في توصيف الدور الإماراتي، إذ إن المزاعم المتعلقة بتأجيج الصراع تتجاهل سياقاً أوسع اتسم فيه الحضور الإماراتي، خصوصاً في حضرموت وساحلها، بالتركيز على تحجيم التنظيمات المتطرفة، ودعم الاستقرار المحلي، وهو ما أسهم فعلياً في تقليص نفوذ تنظيم القاعدة في تلك المناطق خلال مراحل سابقة.

بيان التحالف والسؤال المؤجل عن آلية القرار

ويأتي هذا الجدل في لحظة سياسية شديدة الحساسية داخل مسار الأزمة اليمنية. فقد أثار البيان الصادر عن المتحدث العسكري باسم التحالف تساؤلات مشروعة، ليس فقط حول مضمونه، بل حول آلية اتخاذ القرار داخله. إذ أوضحت الإمارات أن البيان لم يسبقه تشاور جماعي، وهو ما يسلّط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بتنسيق المواقف داخل التحالف، لا سيما في الملفات الحساسة التي تمس شركاء أساسيين. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تصدع في التحالف، بقدر ما يعكس حاجة ملحّة لإعادة ضبط قنوات التواصل، وتفادي القراءات الأحادية التي قد تُستثمر سياسياً من أطراف داخلية يمنية أو قوى إقليمية تسعى إلى إرباك مسار التسوية وإطالة أمد الصراع.

بيان وزارة الدفاع الإماراتية: توضيح يبدد كثيراً من الالتباس

في هذا السياق، جاء البيان الصادر مساء اليوم عن وزارة الدفاع في الإمارات العربية المتحدة ليضع النقاط على الحروف. إذ أكد أن الإمارات شاركت في التحالف منذ عام 2015 دعماً للشرعية، ومساندةً للجهود الدولية في مكافحة الإرهاب، وأن قواتها أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019 بعد استكمال المهام المتفق عليها رسمياً. كما أوضح البيان أن ما تبقى من تواجد إماراتي اقتصر على فرق مختصة بمكافحة الإرهاب، وأنه جرى اليوم إنهاء هذه المهمة أيضاً بمحض إرادة الإمارات، وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين، وفي إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة والتزامات الدولة تجاه أمن واستقرار المنطقة. هذا التوضيح لا ينفي تعقيد المشهد، لكنه يقدّم قراءة أكثر دقة لطبيعة الدور الإماراتي، ويؤكد أن أبوظبي لم تكن يوماً طرفاً يسعى لفرض وقائع ميدانية خارج الأطر المتفق عليها. السيادة اليمنية والأمن الخليجي: معادلة تحتاج إدارة هادئة يبقى التحدي الحقيقي اليوم في كيفية التوفيق بين اعتبارات السيادة الوطنية اليمنية، ومتطلبات الأمن الإقليمي، ضمن شراكة تقوم على الوضوح لا سوء الفهم. فالمطالبة برحيل قوات أو إنهاء أدوار، حين تُطرح خارج سياق التنسيق، قد تُقرأ سياسياً على نحو يتجاوز مضمونها الفعلي، وتفتح الباب أمام فراغات أمنية لطالما استفادت منها جماعات متطرفة أو قوى معطِّلة للاستقرار.

خلاصة الموقف: الحاجة إلى تنسيق لا إلى تبادل الاتهام

 

إن المطلوب في هذه المرحلة ليس تبادل البيانات أو تضخيم الخلافات، بل إعادة الاعتبار لآليات التشاور داخل التحالف، وتحييد الخلافات التكتيكية عن الهدف الاستراتيجي الأوسع المتمثل في استقرار اليمن وأمن المنطقة. الخلاصة: لا يمكن إنكار أن تعقيدات المشهد اليمني وتداخل مراكز القرار تخلق التباسات سياسية وميدانية، غير أن هذه التعقيدات لا تبرر القفز على حقيقة أن الدور الإماراتي، بشهادة الشركاء الدوليين والوقائع على الأرض والبيانات الرسمية، كان جزءاً من مسار مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار، لا عاملاً في تأجيج الصراع.

*كاتب وصحفي سوداني، رئيس تحرير نشرة المرصد السوداني للسلام.