في أساطير الشعوب عِبرٌ، وفي خرافاتها معتبرٌ، ولئن تحدث الإغريق عن «كساندرا» التي تمتلك قدرةً على رؤية المستقبل، فإن الفرس تحدثوا عن «آرش الرامي» الذي مات من استنفاد قوته، وعن «رستم وسهراب» حيث قتل رستم ابنه سهراب، في قصة محزنةٍ، وأما العرب فلديهم «زرقاء اليمامة» التي تمتلك رؤية خارقةً في المكان، بعكس «كساندرا».
لستَ مضطراً لأيٍ من هذه الميثولوجيا أو أي من تلك الأساطير لتقرأ أحداث الواقع، وتكتشف تفاصيل صراعاته، وتتنبّأ بمستقبل جريانه، فذلك علمٌ مختلفٌ ومهاراتٌ نادرةٌ، ومن هنا يختلف صنّاع القرار عن محلليه وقارئيه، فهم يمتلكون الرؤية قبل وقوع الأحداث وربما شاركوا في صناعتها، وليسوا بأي حالٍ محتاجين لإمعان النظر في التحليل وتجويد القول في التفسير.
لا يوجد سياسيٌ معاصرٌ، ولا محللٌ ذو قيمةٍ يعتمد في تحليله السياسي وقراءته للواقع وصراعاته والمستقبل وبدايات صناعته على الخرافات أو التأويلات اللامنطقية التي تعتمد على الأيديولوجيا أو الأحلام وما شابهها، والمشكلة الأكبر التي يعانيها العالم العربي اليوم في فهم السياسة وتحليلها هي سيطرة ثلاثة تياراتٍ مأزومة على تقديم هذا الفهم وذلك التحليل، وهي كالتالي: الأول، هو مَنْ درس في الجامعات الغربية وتعلّم أصول التحليل السياسي ثم عاد مؤدْلَجاً، تقوده المصلحة الشخصية ولا مانع لديه أن يتقلّب بين المتناقضات بمهارةٍ تشي بنقائص لا تُغتفَر.
والثاني، ذو تجربةٍ في الكتابة وملامسةٍ للواقع، ولكنه يزيّف الوعي عامداً ويبث الجهل قاصداً، ويقدِّم مَنْ حقه التأخر، ويؤخِّر مَنْ حقه التقدّم، ليقول للجميع إنني ما زلت هنا، بغضّ النظر عن خدمة الهدف الأساس الذي ينبغي له التفكير فيه، وهو الهدف والغاية التي تستجيب للشعب وتخدم الدولة.
والثالث، هو الذي يقول أنا والطوفان من بعدي، فما زلتُ حاضراً في المشهد مؤثراً فيه بأي شكلٍ، وسأصنع ما أشاء، ولئن خدمتني التفاهة فسأخدمها، ولئن قدّمني الجهل فسأقدمه، ولئن دعّمني الغوغاء فسأجعلهم أهمّ من كل العلماء والعقلاء، وهذه ثلاثٌ قادرةٌ على إعاقة الأمم والدول والشعوب حين تستحكم ويشتد بها البلاء.
هذه نماذج ثلاثةٌ موجودة في العالم العربي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ العرب، دولاً وشعوباً وأمةً، وهناك غيرها دون شكٍ، غير أن تسليط الضوء عليها في هذه المرحلة قد يجسّر شيئاً من الفجوة الهائلة بين ما يُكتب ويُنشر تجاه الأحداث الكبرى وبين نتائج ذلك، صواباً وخطأً، اتساقاً وتناقضاً، لأنه من المستحيل صناعة الوعي المجتمعي دون إبراز ما جرى في لحظاتٍ تاريخيةٍ عصيبةٍ اصطرعت فيها الآراء وتباينت فيها الرؤى، وكيف يمكن للأمم أن تتطوّر إذا لم تكن قادرةً على استيعاب دروس سنواتٍ قليلةٍ مضت، فضلاً عن اكتناه حكمة القرون، وقديماً كتب الأديب الألماني الكبير غوته قائلاً: «الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة».
أخيراً، فالدول الحية دولٌ عقلانيةٌ وواقعيةٌ، وهي حين تكون كذلك، فهي ليست بحاجةٍ لأية أساطيرٍ لتحدو ركابها، ولا لديها أي رغبةٍ في خرافةٍ لتنير لها السبيل وتكشف لها سجف المستقبل، فالعلوم الحديثة بلغت تقدماً استثنائياً في تاريخ البشرية في قراءة الواقع قراءة تفصيليةً فاحصةً واستشراف المستقبل بشكلٍ علميٍ.
*كاتب سعودي


