في عالم تتكاثر فيه النزاعات وتتعثر فيه المؤسسات الدولية، وتنهار الكثير من المراجع الدولية والدينية الكبرى، تبرز الدبلوماسية الفاتيكانية كنموذج استثنائي لدورٍ مختلف في العلاقات الدولية. دبلوماسية بلا جيوش، بلا مصالح اقتصادية، وبلا حسابات نفوذ، لكنها تمتلك ما تفتقده الكثير من القوى الكبرى اليوم، أي السلطة الأخلاقية والقدرة على مخاطبة الضمير الإنساني.
فالكرسي الرسولي، الذي يقيم علاقات دبلوماسية مع أكثر من 184 دولة، لا ينافس الدول على المصالح، بل يسعى إلى موازنة وتعزيز السياسات الدولية بالقيم الإنسانية، والقوانين الدولية، والبعد الأخلاقي، واضعاً الإنسان وكرامته في قلب اهتمامه. هذه الخصوصية جعلت من الدبلوماسية الفاتيكانية مرجعاً للاعتدال ووسيطًا مقبولاً من جميع الأطراف في أكثر القضايا حساسية وتعقيداً.
أحد أبرز تجليات هذا الدور كان توقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية في أبوظبي عام 2019 من قبل قداسة البابا فرنسيس  وفضيلة الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. هذه الوثيقة لم تكن بياناً دينياً عاماً، بل نصاً أخلاقياً موجّهاً للعالم بأسره، أكّد أن الإيمان الحقيقي يقود إلى الاعتراف بالآخر أخاً في الإنسانية، وأن الخلاف الديني لا يبرر العنف أو الإقصاء وأن الله لا يحتاج إلى من يدافع عنه أو يرهب الآخرين باسمه. وقد شكّلت الوثيقة نقلة نوعية في مفهوم الحوار بين الأديان، إذ نقلته من مستوى المجاملات إلى مستوى الالتزام العملي بنبذ الكراهية وتعزيز ثقافة التعايش، وعدم تبرير العنف والإرهاب الذي يرتكب باسم الله تعالى، بل ضرورة إدانة المتطرفين ومستخدمي الدين لغايات دنيوية.
تكمن أهمية هذه الوثيقة في رمزيتها وفي توقيتها معاً. فقد جاءت في لحظة تاريخية بات فيها الدين يُستخدم سياسياً لتبرير الإرهاب والصراعات. ومن هنا، كانت رسالة الفاتيكان واضحة، الدين الحقيقي جزء من الحل لا جزء من المشكلة، شرط تحريره من التوظيف الأيديولوجي والسياسي والنفعي والمادي، وتجنب كافة النصوص الدينية التي تدعو أو تبرر العنف.
لا يقتصر دور الفاتيكان على المبادرات الفكرية، بل يتجسد ميدانياً في الدبلوماسية البابوية في مناطق النزاع. فمن أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، حافظ الفاتيكان على خطاب يدعو إلى السلام والوساطة والحوار، رافضاً منطق الحرب والغلبة محاولاً تعزيز مبدأ قوة القانون لا قانون القوة. وغالباً ما فتح هذا الخطاب قنوات اتصال حيث فشلت السياسة التقليدية، مستفيداً من ثقة الأطراف بدور الفاتيكان غير المنحاز.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الدبلوماسية الفاتيكانية قادرة على المساهمة في إعادة تعريف مفهوم السلام، ليس كغيابٍ مؤقت للعنف، بل كثقافة تقوم على العدالة والمصالحة والاحترام المتبادل. كما تلعب هذه الدبلوماسية دوراً مهماً في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل المجتمعات المتعدّدة دينياً، وفي الوقاية من التطرف عبر تشجيع كل خطاب ديني مسؤول وإدانة كل خطاب يقلل أو يبرر سرديات الكراهية، بهدف كشف حقيقة المرجعيات الدينية نفسها من داخلها وأمام التابعين لها.
إن دبلوماسية الفاتيكان، في هذا السياق، تعطي مفهوم التعايش بعداً عملياً، وتؤكد أن التعايش ليس شعاراً للاستهلاك الإعلامي، بل حاجة إنسانية ملحّة في عالمٍ مترابط، تتقاطع فيه الأديان والثقافات يومياً. إنها دبلوماسية تتجلى في مواقفها المعتدلة، ومنهجها الذي يقوم على الممارسة المستمرة والصبر، والتربية، ودعم التشريعات العادلة، وتشجيع كل إرادة سياسية صالحة، وإغناء النُظم العالمية بمرجعيات أخلاقية حقيقية.
إن الرسالة التي تحملها الدبلوماسية الفاتيكانية اليوم واضحة، السلام لا يُفرض بالقوة، والدين لا يُختزل في صراع هوياتي. فالدين الحقيقي هو دائماً جسرٌ للسلام، ومصدر للشفاء والمصالحة، لا أداة للانقسام أو الإرهاب. وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى هذا الجسر، يبدو صوت الفاتيكان – رغم هدوئه – أكثر ضرورة وإلحاحاً من أي وقت مضى.