في السياسة الدولية لا تُقاس قيمة المؤسسات ببلاغة بياناتها، بل بقدرتها على الفعل عندما تُختبر. وعندما تتعرَّض دول الخليج لاعتداءات إيرانية مباشرة تمس أمنها واستقرارها، يعود سؤال ظل معلقاً في الوعي العربي لعقود طويلة ليُطرح اليوم بحدة غير مسبوقة: أين تقف جامعة الدول العربية من حماية الأمن العربي؟ وهل ما زالت هذه المؤسسة، التي أُنشئت لتجسيد فكرة التضامن العربي، قادرة فعلاً على أداء الدور الذي تأسست من أجله؟
وفي دوائر التفكير السياسي والاستراتيجي في الخليج لم يعد النقاش يقتصر على طبيعة العدوان الإيراني، بل اتجه إلى مساءلة البنية السياسية للعمل العربي المشترك. فالتضامن الذي كان يُفترض أن يظهر سريعاً وحاسماً بدا بطيئاً ومتردداً.
وفي لحظات الأزمات الكبرى لا يُقاس وزن الموقف السياسي بمضمونه فقط، بل أيضاً بتوقيته؛ لأن التأخر في إدانة الاعتداءات يُقرأ بوصفه مؤشراً على خلل أعمق في قدرة النظام الإقليمي العربي على إنتاج موقف جماعي واضح في لحظات الخطر.
ولفهم جذور هذا الخلل لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس عام 1945. فقد وُلدت الجامعة في سياق تاريخي مختلف عن عالم اليوم، عالم كانت فيه الدول العربية إما في طور الاستقلال أو خارجة حديثاً من حقبة الاستعمار. لذلك صيغ ميثاقها على أساس حماية السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كانت هذه الفلسفة آنذاك تعبيراً عن حكمة سياسية مفهومة في سياقها التاريخي، لكنها مع مرور الزمن تحولت إلى قيد مؤسسي راسخ حدّ من قدرة الجامعة على التكيف مع تحولات البيئة الإقليمية والدولية. ونتيجة لذلك، بقيت أقرب إلى منبر للتشاور الدبلوماسي منها إلى منظمة إقليمية تمتلك أدوات اتخاذ القرار أو القدرة على إدارة الأزمات بفاعلية استراتيجية.
ثمانون عاماً من الأزمات والتحولات في العالم العربي لم تُفضِ إلى مراجعة جوهرية لهذا الميثاق، ولا إلى تطوير حقيقي لآليات العمل العربي المشترك. فقد مرّت المنطقة بسلسلة طويلة من الحروب والصراعات والانقسامات السياسية التي كان يفترض أن تدفع نحو بناء منظومة عربية أكثر صلابة وقدرة على إدارة الخلافات وتنسيق المواقف. غير أن ما حدث كان على النقيض، إذ ظل العمل العربي المشترك رهينة توازنات اللحظة السياسية المتقلبة بين العواصم العربية، أكثر مما استند إلى بنية مؤسسية مستقرة قادرة على إنتاج سياسات جماعية واضحة.
ولعلّ المقارنة مع التجارب الإقليمية الأخرى تكشف حجم الفجوة بوضوح. فعندما يتعرّض عضو في حلف شمال الأطلسي لتهديد مباشر، تتحرك آليات الدفاع الجماعي فوراً وبصوت واحد؛ لأن تلك المنظومة صُممت أساساً لتكون أداة للأمن الجماعي لا مجرد منصة للتشاور. أما في الحالة العربية، فما زالت المسافة واسعة بين فكرة التضامن شعاراً سياسياً، وبين القدرة على تحويله إلى منظومة ردع حقيقية تحمي الدول الأعضاء، وتعزز ثقة شعوبها بمؤسساتها الإقليمية.
لهذا لم يعد السُؤال الحقيقي مجرد سُؤال عن موقف الجامعة من أزمة بعينها، بل عن مستقبل فكرة العمل العربي المشترك. فالمؤسسات الإقليمية لا تعيش على تاريخها، بل على قدرتها على التكيف مع تحولات الزمن. وإما أن تتطور لتواكب التغيرات المتسارعة في النظام الدولي، أو تتحول تدريجياً إلى هياكل رمزية تحتفظ باسمها أكثر مما تحتفظ بقدرتها على التأثير.
العالم العربي يقف اليوم أمام هذا المفترق بوضوح غير مسبوق. فإما أن تعيد جامعة الدول العربية تعريف وتفعيل دورها بوصفها أداة حقيقية لصياغة إرادة استراتيجية مشتركة تحمي أعضاءها وتردع من يعتدي عليهم، وإما أن يفرض الواقع الإقليمي صيغاً أخرى للتنسيق والتعاون تتجاوز الإطار الذي وُلد قبل ثمانية عقود.
*كاتب وباحث إماراتي.


