التكاليف المرتبطة بأي حرب-من خسائر في الأرواح والثروات والأمن-أمر متوقع. وهذا هو الحال في الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران. وعلى الرغم من أنها لم يمضِ عليها سوى بضعة أسابيع، وما زال من المبكر التنبؤ بمسارها، فإن المؤشرات الأولية لتكاليفها وتداعياتها تدعو للقلق.
كان لكميات الأسلحة التي أسقطتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أهداف إيرانية أثرٌ مدمر، ومن الصعب تصور إمكانية تدارك هذا الوضع قريباً. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تعاني إيران، التي كانت تعاني أصلاً من اقتصاد متدهور وشعبٍ متعطش للإصلاح وساخط، من سنوات من الاضطرابات السياسية التي ستُقابل بقمع شديد. وبعد أن تعرضت لهجوم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تسعَ إيران إلى كسب دعم الدول العربية المجاورة، بل تعرضت هذه الدول لاعتداءات إيرانية طالت بنيتها التحتية ومواردها الاقتصادية. ورغم أن دول الخليج العربية قادرة على التعافي، فإن التقارب الهش الذي كان يتشكل بينها وبين إيران قد تحطم، ولن يكون من السهل إعادة بنائه.
وقد أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز وقصف منشآت النفط والغاز على جانبي الخليج إلى انقطاع إمدادات الطاقة. وتسبب ذلك في ارتفاع حاد في أسعار الوقود، وانخفاض حاد في سوق الأسهم، وخسارة مئات المليارات من الدولارات من إجمالي ثروات الاستثمارات وصناديق التقاعد. وستستمر التداعيات الاقتصادية للحرب في الازدياد طوال ما تبقى من العام.
ولا يتوقف الضرر عند هذا الحد. فقد نسي «حزب الله» اللبناني أن إسرائيل لا تلتزم بالقواعد. ورداً على اغتيال إسرائيل المرشد الأعلى علي خامنئى في إيران- أطلق الحزب بعض القذائف عبر الحدود. ورغم أن إسرائيل تنتهك وقف إطلاق النار مع لبنان منذ خمسة أشهر بشكل يومي، فقد استغلت قصف «حزب الله» لشنّ هجوم متواصل وغير متناسب على لبنان. وحتى الآن، قتلت إسرائيل أكثر من ألف لبناني، ودمرت أحياءً كاملة في بيروت، وأمرت نحو ربع سكان لبنان بالنزوح من منازلهم، مما فاقم الانقسامات الطائفية القائمة في البلاد. ويبدو أن القوات الإسرائيلية تستعد الآن لاحتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، وهو احتلال لن يكون مصيره أفضل من المحاولة السابقة بين أواخر السبعينيات وحتى عام 2000.
وكأن هذا لم يكن كافياً، فقد استغلت حكومة إسرائيل المتشددة ذريعة الحرب لترسيخ محاولات ضمها للضفة الغربية. وتسارعت وتيرة خطط إخلاء وتدمير التجمعات الفلسطينية في غور الأردن لبناء «جدار أمني»، ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، ازداد عدد هجمات المستوطنين (بدعم من القوات الإسرائيلية) على القرى الفلسطينية بشكلٍ كبير، ليصل متوسطها الآن إلى عشر هجمات يومياً. وقد أسفرت هذه العمليات العسكرية والميليشيات عن سقوط قتلى وجرحى، وسرقة أراضٍ، وتدمير منازل وممتلكات (بما في ذلك البساتين والثروة الحيوانية). وبينما تمضي إسرائيل قدماً في سعيها للسيطرة الكاملة على فلسطين بأكملها خلال السنوات الأخيرة، فإن أحداث الأسابيع القليلة الماضية تجعل هذا الأمر شبه مستحيل التراجع عنه.
قد يكون اهتمام العالم منصرفاً إلى أماكن أخرى، لكن نحو مليوني فلسطيني في غزة ما زالوا في ذلك الشريط المدمر يعانون من الجوع، ونقص المأوى المناسب، وسوء خدمات الصرف الصحي، وغياب الرعاية الطبية وغيرها من الخدمات الأساسية. ولا يمكن تصور التأثير طويل الأمد لهذا «الجحيم على الأرض» على أطفال غزة، لكن من المرجح أن يكون هذا الأثر كارثياً.وفي الوقت ذاته، تتضارب التقارير حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تحاول «تهدئة» الحرب أو إرسال قوات برية إلى إيران «لإنهاء المهمة». وكلا الإدعاءين غير واقعي. فمهما كانت نوايا ترامب، فإنه لا توجد تهدئة سهلة، ولا مهمة يمكن إنهاؤها ببساطة.
رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن


