تُسلّط الحرب في الشرق الأوسط الضوء مجدداً على سلبيات اعتمادنا على النفط والغاز، إذ ترتفع تكاليف النقل والكهرباء بشكلٍ كبير على الأسر العادية، بينما تجني شركاتُ النفط العملاقة متعددة الجنسيات أرباحاً طائلة. أضف إلى ذلك انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المعتادة، التي تُسهم في ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
من المفهوم أن ارتفاع سعر البنزين إلى 5 دولارات للجالون، وغيره من تداعيات أزمة الطاقة، يدفع الأميركيين إلى المطالبة بتقليل اعتمادهم على الوقود الأحفوري. ورغم أن هذا الأمر أصبح غير شائع، فإنه بإمكان كل مواطن أميركي تغيير عاداته المكلفة والمدمرة في استهلاك الوقود. صحيح أن هجمات الرئيس ترامب على السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وقواعد كفاءة استهلاك الوقود مروعة، لكن لا أحد يمنعك فعلياً من شراء سيارات كهربائية، أو تركيب ألواح شمسية، أو استخدام وقود أقل.
وهذه ليست فكرة سيئة. يمكنك توفير مبلغ كبير من المال مع المساهمة ولو بجزء بسيط في استقرار المناخ، وحتى تقليل مخاطر النزاعات المستقبلية في الدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري. صحيح أن مساهمتك في عالم أفضل ستكون مجرد قطرة في محيط، لكن في النهاية، قطرات صغيرة من جهود فردية هي التي تُحدث فرقاً كبيراً.
كانت حكومتنا تُدرك ذلك. فقد دعت الوطنيين إلى مشاركة السيارات لتوفير الوقود خلال الحرب العالمية الثانية، مع ملصقات تُعلن: «عندما تقود وحدك، فأنت تقود مع هتلر!». وخلال أزمات النفط في السبعينيات، حثّ الرئيس فورد الأميركيين على تقليل قيادة السيارات في خطابه الشهير «القضاء على التضخم الآن»، قبل أن يرتدي الرئيس كارتر سترةً صوفية في خطابه الشهير بجانب المدفأة، مطالباً إياهم بخفض درجة حرارة التدفئة إلى 13 درجة مئوية ليلاً. كما أطلقت إدارة الرئيس جورج بوش الأب إعلانات خلال حرب الخليج عام 1991 تُشير إلى ضرورة ترشيد استهلاك الوقود عن طريق تخفيف السرعة والحفاظ على ضغط الإطارات المناسب.
ومن غير المستغرب أن الرئيس ترامب لا يتحدث بهذه الطريقة. فقد اعتبر مؤخراً أن ارتفاع أسعار النفط مفيد لأميركا، ولعله يقصد ممولي الحزب الجمهوري في قطاع النفط الأميركي. والمثير للدهشة أن دعاة حماية البيئة لم يعودوا يتحدثون بهذه الطريقة أيضاً، بعد أن كانوا يُشددون باستمرار على أهمية الحفاظ على البيئة وإعادة التدوير وغيرها من السلوكيات الصديقة للبيئة.
على مدى العقد الماضي، سئم النشطاء البيئيون من تصويرهم كأشخاصٍ يُشعروننا بالذنب، فأعادوا صياغة العدو ليصبح سياسيين ممولين للوقود الأحفوري مثل قادة الحزب الجمهوري، وشركات استخراج الوقود الأحفوري مثل «إكسون». وقد توقفوا في الغالب عن إلقاء المحاضرات علينا بشأن بصماتنا الكربونية الفردية وغيرها من المخالفات البيئية، وركزوا بدلاً من ذلك على التغيير السياسي والمنهجي، مع حثنا على عدم الانشغال المفرط بسلوكياتنا الشخصية. ويشير دعاة حماية المناخ باستمرار إلى أن شركة «بريتيش بتروليوم» هي مَن ابتكرت حاسبة البصمة الكربونية، مصورين مفهومَ المسؤولية البيئية الشخصية برمته على أنه دعاية لشركات النفط الكبرى تهدف إلى إشعارنا بالخجل من مشكلةٍ خلقها جشع الشركات والفساد السياسي.
صحيح أن التغيير السياسي ضروري للابتعاد عن مصادر الطاقة التي تتأثر بالاضطرابات مثل تلك التي تحدث حول مضيق هرمز. وعلى مستوى العالم، ساهمت السياسات الحكومية الداعمة في خفض أسعار الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات والسيارات الكهربائية، ما أطلق ثورةً في مجال الطاقة النظيفة سمحت للدول والأشخاص بتقليل تكاليفهم وانبعاثاتهم. لكن هجمات ترامب على الدعم الحكومي للطاقة الخضراء والنقل العام وتنظيمات التلوث أعاقت هذا التقدم في الولايات المتحدة، وجعلت التحول الأخضر أكثر صعوبة. لكن لا هو ولا شركة إكسون يجبرانك على قيادة سيارة دفع رباعي ضخمة إلى مركز التسوق. والخبر السار هو أن التحول إلى الخيارات الصديقة للبيئة لم يعُد يتطلب تضحية مالية. فالسيارات الكهربائية الخمس الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة تقل أسعارها عن متوسط سعر السيارة الجديدة. وحتى قبل ارتفاع أسعار الوقود، وجدت تقارير «كونسيومر ريبورتس» أن مالك السيارة الكهربائية يوفّر ما بين 6000 و12000 دولار على الصيانة والوقود خلال عمر السيارة.
وكما أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش قبل أسبوعين، فإن الشمس والرياح لا يمكن حصارهما أو فرض حظر عليهما أو استخدامهما كسلاح، رغم أن مكونات الطاقة المتجددة قد تواجه اضطرابات في سلاسل التوريد. لدينا الآن بدائل تنافسية وأقل تقلباً من الوقود الأحفوري، وهي لم تكن موجودة في الحرب العالمية الثانية ولا حتى خلال حرب العراق. كما نعلم الآن أن حرق النفط والغاز في سياراتنا ومنازلنا يزيد من موجات الحر والجفاف والفيضانات والفوضى المناخية. ما نفتقده هو الشعور الجماعي بالمسؤولية.
إن حرق الوقود الأحفوري شكل من أشكال «تلويث الغلاف الجوي»، لكنه لا يزال غير مستهجن لدى معظم الأميركيين. ومن الصعب تصور كيف يمكن إقناع عدد كافٍ منهم بالتحول نحو السلوك الأخضر دون تغيير سياسي. لكن من الصعب أيضاً تصور كيف يمكن للحركة البيئية الحديثة إقناع الناس بدعم السياسات المناخية، بينما تؤكد لهم في الوقت نفسه أن أفعالهم الفردية لا تهم.
مايكل جرونوالد*
*كاتب رأي مساهم في «نيويورك تايمز»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


