في مشهد يعكس أشد مظاهر التناقض في عالمنا المعاصر، تتصاعد ميزانيات التسلح دولياً وتتضخم عاماً بعد عام، بينما يئنُّ ملايين البشر تحت وطأة المجاعة ونقص الغذاء، هذه المفارقة المؤلمة تكشف عمق أزمة الإنسانية، وتدعونا إلى فتح هذا الملف وطرح أسئلة صارخة حول أولويات البشرية وقيمها الحقيقية.
بحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن الإنفاق العسكري العالمي نما بنسبة41% خلال عِقد من الزمن، وبلغ 2.89 تريليون دولار في 2025، ليسجِّل ارتفاعاً للسنة الحادية عشرة على التوالي، ورفع نسبة الإنفاق في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.5 بالمئة، وهو أعلى مستوى له منذ 2009.
ورجّح المعهد في تقريره استمرار ارتفاع الإنفاق خلال العام الجاري وما يليه في ظل ما تشهده مناطق عدة من حروب وصراعات مسلحة، وتشير التقديرات إلى أن العالم يتجه نحو حقبة «التسلح المستدام»، حيث لم يَعُد الإنفاق العسكري العالمي استجابة مؤقتة للأزمات، بل أصبح جزءاً ثابتاً من السياسات الوطنية.
يحدث هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة الجوع، والتي يعاني منها 720 مليون شخص حول العالم، وهو ما يؤدي إلى وفاة طفل كل عشر ثواني وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، فيما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ارتفاع أسعار المواد الغذائية العالمية خلال أبريل الماضي للشهر الثالث على التوالي، بسبب الاضطرابات المرتبطة بإغلاق إيران لمضيق هرمز.
بحسب الباحثين، فإن زيادة الإنفاق العسكري العالمي تعود بالدرجة الأولى إلى إعادة التسلح في أوروبا، حيث ارتفع إنفاق الدول الأوروبية بنسبة 14%، في ظل حالة التوتر التي تشوب العلاقات مع واشنطن كشريك في حلف «الناتو»، وبينما تُنفق الولايات المتحدة وحدها ما يعادل ميزانيات الدفاع لأكثر من عشرين دولة مجتمعة، تتسابق الدول الكبرى الأخرى في تطوير أسلحة فتّاكة وأنظمة دفاعية متطورة.
ومن المتوقع أن يشهد المستقبل القريب تركيزاً مكثّفاً على «حروب التكنولوجيا الفائقة»، حيث ستوجَّه ميزانيات ضخمة نحو الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني.
ولا شكّ أن استمرار الإنفاق العسكري العالمي بنسب مرتفعة سوف يمثّل ضغطاً هائلاً على الموازنات العامة، وسوف يكون لهذه الفاتورة الباهظة «تأثير اجتماعي واقتصادي وسياسي عميق»، إذ يتوجّب على البلدان إجراء مقايضات في خياراتها المتعلقة بالميزانية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في الدول ذات الاقتصادات الهشّة التي تضطر لتفضيل الإنفاق العسكري على الخدمات الأساسية.
والمفارقة أن الجوع اليوم لا ينتج في الغالب من نقص في الغذاء بقدر ما ينتج من العوائق التي تحول دون الوصول إليه، وحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن 40 مليار دولار فقط كانت كافية للقضاء على الجوع في العالم لعام 2020، وهو مبلغ لا يتجاوز 2% من الإنفاق العسكري السنوي، فلو أن جزءاً يسيراً من المبالغ الطائلة التي تُخصص للفتك وحصد أرواح الآلاف، أُعيد توجيهها حيث يجب أن تكون، لنجحنا في إنقاذ أرواح الملايين وتحقيق الأمن الغذائي في أكثر المناطق تضرراً.
إنّ هذا التناقض الصارخ يعكس أزمة قيم عميقة في النظام العالمي، ففي الوقت الذي تحتفي فيه الدول بقدراتها التدميرية وتُفاخر بتقنياتها الحربية، يظل الجوع سلاحاً صامتاً يفتك بالأضعف، والمؤسف أن معظم الضحايا هم من الأبرياء.
وإذا كنا جادين في بناء عالم يسوده السلام والازدهار، فعلينا أن نبدأ بتحويل جزء من إنفاقنا على الموت إلى استثمار في الحياة، ولنتذكر أن أعيُن ملايين الجياع تتطلع إلينا بكل شغف وأمل، وهم إخوة لنا في الإنسانية يستحقون منا تحركاً جاداً ومعونة صادقة أكثر من مجرد وعود.
لقد آن الأوان لأن تُدرك الأمم أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بترسانة أسلحة، بل بالتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، والأمل أن تحتكم البشرية إلى صوت العقل والضمير الإنساني فتتعاون فيما بينها لما فيه صالح الجميع.
إنّ الدعوة إلى خفض الإنفاق العسكري العالمي لا تعني التخلي عن حق الدفاع المشروع عن النفس، لكنها تعني إعادة النظر في أولوياتنا الجماعية، فلا أحد يُنكر على الدول حقها في حماية أمنها والحفاظ على مصالحها الوطنية، فالأمن ركيزة أساسية لاستقرار الأمم.
إن الإنسانية اليوم بحاجة إلى عالم أكثر اتزاناً في أولوياته، عالم يدرك أن أمن الإنسان لا يتحقق بالسلاح وحده، بل أيضاً بالغذاء والتعليم والصحة والتنمية.
ولنا أن نتخيل، كم من الوجبات التي كان يمكن أن تُقدَّم للجائعين، وكم من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها، مقابل جزء يسير من سباقات الإنفاق العسكري المتصاعد.


