في عالمٍ تتسارع فيه المتغيرات وتتعاظم فيه التحديات، لم يَعُد التعليم مجرد منظومة تقليدية تُدار داخل جدران الصفوف والقاعات، بل غدا مؤشراً حقيقياً على قدرة الدول على التكيّف والاستجابة الفاعلة للأزمات. ومن هذا المنطلق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متقدماً في بناء منظومة تعليمية مرنة، تستند إلى رؤية استشرافية واستعداد مسبق، مكّنها من الانتقال السّلس بين أنماط التعليم المختلفة، دون أن يتأثر جوهر العملية التعليمية أو مخرجاتها.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن التحول إلى التعليم عن بُعد في الإمارات لم يكن استجابة ظرفية طارئة، بل نتيجة تراكم استراتيجي طويل، بدأ منذ سنوات عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الكوادر التعليمية، وتبنِّي سياسات تعليمية مرنة تراعي مختلف السيناريوهات. فلم يكن الانتقال إلى المنصات الرقمية مفاجئاً، بل جاء امتداداً طبيعياً لمنظومة تعليمية مؤهلة تقنياً ومعرفياً.
إن هذا التحول السّلس يعكس وعياً عميقاً لدى صانع القرار الإماراتي بأن التعليم هو خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، وأن استمراريته تُمثّل استقراراً مجتمعياً وثقافياً لا يقل أهمية عن أي قطاع آخر. ومن هنا، لم تقتصر الجاهزية على الجانب التقني فحسب، بل شملت أيضاً البُعد الإنساني والتربوي، من خلال دعم الطلبة نفسياً، وتمكين الأسرة كشريك فاعل في العملية التعليمية، وتعزيز مهارات التعلُّم الذاتي لدى المتعلمين.
ولعل ما يميّز التجربة الإماراتية هو هذا التوازن الدقيق بين الحداثة والأصالة، فبينما تتبنّى الدولة أحدث أدوات التعليم الرقمي، فإنها في الوقت ذاته تحرص على ترسيخ القيم الوطنية والهوية الثقافية في المحتوى التعليمي، بما يضمن أن يكون التعليم أداة لبناء الإنسان المتوازن، القادر على التفاعل مع العالم دون أن يفقد جذوره.
كما أن هذا النموذج يعكس تحوّلاً في فلسفة التعليم ذاتها، من تعليم يعتمد على التلقين إلى تعليم قائم على التمكين، ومن حضور مادي إلى حضور معرفي يتجاوز حدود المكان والزمان. وهنا تتجلى أهمية إعادة تعريف أدوار المعلّم والمتعلم، بحيث يصبح المعلّم موجّهاً ومُلهماً، ويغدو المتعلم شريكاً فاعلاً في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلقٍ لها.
إن ما تحقق في الإمارات في مجال التعليم، خاصة في أوقات الأزمات، يفتح آفاقاً واسعة لإعادة التفكير في مستقبل التعليم العربي عموماً، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جاهزية الأنظمة التعليمية الأخرى لمواكبة هذه التحولات. فالتجربة الإماراتية لا تقدّم حلاً تقنياً فحسب، بل تقدّم رؤية متكاملة تؤكد أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة.
ختاماً، يمكن القول إن جاهزية الإمارات للتعامل مع الطوارئ التعليمية ليست مجرد إنجاز عابر، بل هي نتاج رؤية قيادية تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. ومن هنا، فإن التعليم في الإمارات لا يواكب التغيير فحسب، بل يقوده، واضعاً الإنسان في قلب كل تحوّل، وجاعلاً من المعرفة جسراً آمناً نحو الغد.
*أستاذ مشارك في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


