قد يتم إبرام اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز في أي لحظة، لكن الضّرر الذي لحق بإمدادات الغذاء العالمية قد وقع بالفعل، حيث كان نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحراً في العالم يمرّ عبر المضيق قبل أن تُوقف الحرب في إيران تدفّقها تماماً.

ورغم أن كمية الأسمدة التي تمرُّ عبر المضيق تُعتبر نسبة ضئيلة من سوق الأسمدة العالمية، إلا أن سعرها يتحدد في سوق التصدير العالمي، مما يعني أن أي اضطراب قد يكون له عواقب وخيمة على الإمدادات الغذائية العالمية.

وإذا استمر إغلاق المضيق حتى فصل الصيف، يتوقع برنامج الأغذية العالمي أن يرتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون نقصاً في الغذاء في جميع أنحاء العالم بمقدار 45 مليون شخص، وهو توقيت حرج للغاية بالنسبة للأسمدة، التي يجب استخدامها في أوقات محدّدة من دورة المحاصيل. فأي تأخير، ولو لبضعة أسابيع، يُجبر المزارعين على تقليل استخدامها أو التخلي عنها تماماً، مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كما أن زرع محاصيل أقل من الأسمدة ستُنتج حصاداً أقل بحلول الخريف. وسيظهر أثر نقص الغذاء بعد أشهر من انحسار موجة الاهتمام الإعلامي إلى قضايا أخرى. وهذا الخطر ليس حالة استثنائية. فمضيق هرمز واحد من أهم الممرات المائية الرئيسية في التجارة العالمية.

وأي اضطراب في واحدة منها قد تكون له آثار مدمّرة على النظام الغذائي العالمي. فعندما بدأت حرب أوكرانيا عام 2022، تأثّرت طُرق الشّحن عبر البحر الأسود، وهو ممرٌّ حيوي لصادرات القمح العالمية، مما أدى إلى انهيار الصادرات وارتفاع الأسعار بنسبة 58% مقارنة بالعام الذي سبقه. ثم جاءت العقوبات المفروضة على روسيا وبيلاروسيا لتُخرج 40% من أسمدة البوتاس العالمية من السوق، فتضاعفت الأسعار أكثر من الضعف. وقد انعكست تلك التكاليف على العالم بأسره، لكن بعض المناطق تضرّرت أكثر من غيرها.

ففي الدول النامية، لجأ المزارعون الذين لم يتمكنوا من تحمل التكاليف، إلى استخدام كميات أقل من الأسمدة، ما أدى إلى انخفاض المحاصيل، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء. وارتفع عدد الأشخاص المُعرَّضين لخطر الجوع من 193 مليوناً عام 2021 إلى 258 مليوناً عام 2022. ويتمتع النظام الزراعي الحديث بإنتاجية هائلة؛ إذ يوفر الطعام لنحو 8 مليارات نسمة، لكنه نظامٌ هشُّ بشكل مثير للقلق. فقد أدّت عقود من محاولات تحقيق الكفاءة إلى جعل الغذاء العالمي معتمداً على عددٍ محدود من الطُّرق والشركات والمدخلات.

وفي عام 2017، حدّد مركز الأبحاث البريطاني «تشاتام هاوس» 14 نقطة اختناق تجارية تُعالج أكثر من نصف الحبوب والأسمدة في العالم. وقد عانت جميعها تقريباً من اضطراب كبير منذ مطلع القرن الحالي. ولا تقتصر نقاط الاختناق هذه على نطاق جغرافي محدّد. إذ تُعالج أربع شركات نحو 85% من سوق لحوم الأبقار في الولايات المتحدة. وأدّى هجوم إلكتروني عام 2021 على برنامج لإحدى أكبر شركات لتعبئة اللحوم في العالم، إلى إغلاق ربع طاقة معالجة لحوم الأبقار الأميركية لعدة أيام.

وارتفعت أسعار اللحوم، ودفعت الشركة فدية قدرها 11 مليون دولار. ويُعد ما يسمّى بـ«النظام المُركز» أكثر كفاءة ويُخفّض تكلفة الغذاء، لكنه يُضحِّي بالمرونة في المقابل. فالنظام الذي يعتمد على ممرٍّ رئيسي واحد لنقل الأسمدة أقل تكلفة من نظام يعتمد على ثلاثة ممرات، ولكنه أكثر هشاشة.

والعالم يدفع ثَمن ذلك حالياً. وبدلاً من انتظار الصدمة التالية في الإمدادات، ينبغي تنويع النظام الغذائي العالمي قدر الإمكان وتعزيزه نقاط ضعفه، بما يعني التخلي عن فكرة أن جميع المدخلات يجب أن تأتي من أرخص المصادر فقط. وقد بادرت بعض الشركات بالفعل إلى تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها قبل إغلاق مضيق هرمز. ففي العام الماضي، أعلنت إحدى شركات تصنيع الأسمدة عن خطط لبناء مصنع جديد في لويزيانا. كما عزّزت شركات أخرى الإنتاج في مصانعها القائمة للمساعدة في تعويض انخفاض الإمدادات العالمية.

وفي الولايات المتحدة، على الكونجرس الاستثمار في أهوسة نهر المسيسيبي، ومحطات الحبوب في شمال غرب المحيط الهادئ، وشبكة السكك الحديدية التي تربطها، حتى لا يؤدي الجفاف في نهر واحد أو إغلاق ميناء واحد إلى تعطيل محصول كامل. كما أن تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار ضد احتكار قِلّة في قطاع تعبئة اللحوم، من شأنه أن يوسّع سلاسل التوريد ويحقق أسعاراً أفضل، سواء للمزارعين أو للمستهلكين. ويجب أن يشمل تعزيز نقاط الضعف تحسين الأمن السيبراني للبنية التحتية الزراعية، وإصلاح أو استبدال المكونات المتقادمة، لحمايتها من الاضطرابات المرتبطة بالأحوال الجوية.

كما ينبغي للدول المستوردة الصافية للغذاء إنشاء احتياطيات استراتيجية من الحبوب والأسمدة، لضمان أن يكون التعامل مع أي تعطل في الشحن أكثر سهولة وألا يتحول إلى مجاعة.وبالنسبة للدول الغنية، سيؤدّي الإخفاق في الاستعداد لاضطراب آخر في الإمدادات الغذائية إلى ارتفاع الأسعار وفراغ بعض رفوف المتاجر. وقد يتسبب نفس السيناريو في مجاعة مئات الملايين من الأشخاص الذين يعيشون بالفعل على حافة انعدام الغذاء. ولذلك، فإن تقليل اعتماد العالم على هذه النقاط الحرجة، من شأنه حماية الإمدادات الغذائية في المرة القادمة التي تتعرض فيها التجارة العالمية للخطر.

*مستشار لدى مجلس مؤسّسة جائزة الغذاء العالمية، التي تُعنى بقضايا الأمن الغذائي والزراعة والتنمية الزراعية.

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»