قد تُشير سلسلة من الأحداث التي مرت بالعراق دون اكتراث خلال الأيام الأخيرة إلى بداية أبرز التطورات السياسية في البلاد منذ سنوات: وهي استعادة الدولة العراقية سلطتها. وأفادت تقارير بأنه بناء على أوامر صادرة عن المجلس الأعلى للقضاء العراقي، أجرت عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب العراقي حملة اعتقالات شملت أكثر من 60 شخصية سياسية بارزة ومسؤولين آخرين في بغداد بتهم فساد. وقد نُقل آخرون كانوا محتجزين في إقليم كردستان العراق إلى جهاز مكافحة الإرهاب. كما رُفعت الحصانة عن أكثر من 10 أعضاء في البرلمان، وسط أنباء بأن المرحلة الأولى قد تشمل نحو 200 عملية اعتقال.
وتؤكد التطورات الأوسع نطاقاً أهمية الحملة، فقد بدأت المحاكم بإصدار أحكام إدانة ومصادرة أصول في قضايا فساد كبرى. كما أكدت الحكومة مجدداً أن 30 سبتمبر المقبل هو الموعد النهائي لتسليم الأسلحة غير المرخصة، في حين تحاول بعض الفصائل المسلحة اعتبار الأسلحة التي تصنفها على أنها «أسلحة المقاومة» مستثناة من سلطة الدولة وقوانينها.
ولا تكمن أهمية تلك التطورات في هوية المعتقلين فحسب، رغم أن ذلك يستحق متابعة دقيقة، فقد شهد العراق حملات لمكافحة الفساد من قبل. لكن ما يميّز تلك الحملة هو احتمال أن تتعاون مؤسسات الدولة العراقية الرئيسية، أي السلطة القضائية، ومكتب رئيس الوزراء، وجهاز الأمن الأكثر احترافية في البلاد، معاً لإعادة فرض سيطرة الدولة.
وعلى مدى العقدين الماضيين، تعامل صنَّاع السياسة الأميركيون مع العراق كمشكلة يجب احتواؤها. أما اليوم، فيمكنهم البدء بطرح سؤال مختلف: هل أصبح العراق أخيراً ذا أهمية استراتيجية بحد ذاته؟
لقد تغيّر المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بشكل جذري خلال العامين الماضيين. فقد مُنيت إيران بنكسات عسكرية، وضعف «حزب الله» بشكل ملحوظ، وسقط نظام الأسد في سوريا. صحيح أن إيران لا تزال قوة إقليمية مؤثرة، إذ تحتفظ بنفوذ سياسي في العراق، وتواصل دعم شركائها المسلحين في المنطقة، وكما تُظهر قدرتها على فرض تكاليف استراتيجية من خلال الضغط البحري في مضيق هرمز، إلا أن التوازن الإقليمي أصبح أقل استقراراً، وتُتيح فترات الاضطراب الاستراتيجي فرصاً للدول القادرة على استغلالها، حيث تسنح تلك الفرصة حالياً أمام العراق.
ولم يعُد السؤال الأهم هو ما إذا كان العراق قادراً على هزيمة «داعش»، فقد أنجزت قواته الأمنية هذه المهمة إلى حد كبير بدعم محدود من الولايات المتحدة وعناصر التحالف. كما أن التحدي ليس في قدرة العراق على إجراء انتخابات أو نقل السلطة السياسية، فقد أثبت قدرته على ذلك. بل إن الصراع اليوم يدور حول قدرة الدولة على استعادة سلطتها، كما أن المنافسة الحاسمة لا تتعلق بالجغرافيا بل بالحكم. ولم يعد الأمر يتعلق بمن يسيطر على المدن، بل بالمؤسسات التي تحظى بالشرعية.
إنها في نهاية المطاف منافسة بين المؤسسات وشبكات المصالح. فهل تستطيع المحاكم ترسيخ سيادة القانون بوتيرة أسرع من تكيف الممارسات الفاسدة؟ وهل تستطيع المؤسسات الأمنية المحترفة توسيع سلطة الدولة دون إثارة مواجهات مزعزعة للاستقرار؟ وهل تستطيع الوزارات ذات الكفاءة تقديم الخدمات بفعالية أكبر من أنظمة المحسوبية التي توزع المنافع؟ وهل يمكن للهوية الوطنية أن تتجاوز الولاءات الفئوية؟
صحيح أن تلك التساؤلات لن تتضح إجاباتها خلال أسابيع أو أشهر، لكنها ستحدد مسار العراق على مدى السنوات المقبلة.
لكن الأحداث الأخيرة توضح أن بعض المؤسسات العراقية تختبر حدود سلطتها، لاسيما جهاز مكافحة الإرهاب، وهو جهاز تابع مباشرة لرئيس الوزراء، بدلاً من وزارة الدفاع، وقد برز كأكثر المؤسسات الأمنية كفاءةً واحتراماً في العراق. ويُشير قرار استخدامه في عمليات ذات حساسية سياسية إلى عزم الحكومة على إيضاح أن تلك الإجراءات بمثابة تأكيد لسلطة الدولة، لا مجرد تحقيقات جنائية.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري هو منافسة بين مؤسسات تتعلم وتتكيف، وشبكات نفوذ أثبتت مرونتها على مدى سنوات. ولن يتحدد مصير هذه المنافسة بالمواجهات الدراماتيكية، بل بقدرة مؤسسات الدولة على تحسين أدائها بوتيرة أسرع من قدرة المصالح الراسخة على إعادة إنتاج نفسها.
 إلا أن تلك التطورات تشير إلى احتمال مختلف في مسار العراق عن ذلك الذي هيمن على المناقشات لسنوات، حيث كان يُنظر إلى العراق على أنه ساحة يتنافس فيها الآخرون، من الولايات المتحدة وإيران وتركيا، والمنظمات الإرهابية وجماعات الميليشيات. لكن مستقبل العراق لن يتحدد من خلال تلك الجهات الفاعلة الخارجية بل من خلال ما إذا كانت مؤسساته ستصبح تدريجياً أقوى من الشبكات غير الرسمية التي لطالما هيمنت عليها.
ولا تستطيع الولايات المتحدة إنجاز هذه المهمة في العراق، لكن يمكنها أن تعترف وتدعم المؤسسات العراقية التي تظهر المهنية والكفاءة والمساءلة والالتزام، بل إن مساعدة تلك المؤسسات على النجاح قد تكون واحدة من أهم مساهمات أميركا في الاستقرار الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
وقبل 20 عاماً، كان العراق ساحة المعركة الرئيسية في الشرق الأوسط. أما اليوم، قد يصبح الأمر أكثر أهمية، حيث يتمثل في اختبار مدى قدرة مؤسسات الدولة الثابتة على الخروج من عقود من الحرب والدكتاتورية والعنف الطائفي والإرهاب والفساد والتدخلات الخارجية.

وكان السؤال المركزي الذي يواجه العراق طوال السنوات الماضية، هو ما إذا كانت الدولة قادرة على البقاء. والسؤال اليوم هو ما إذا كان بإمكانها أن تحكم أخيراً بفعالية. إن الإجابة عن هذا السؤال لن تهم العراقيين فحسب، بل وأيضاً كل دولة تسعى إلى إيجاد توازن مستقر في منطقة تشهد تحولات عميقة.

 

*قائد قوات التحالف في العراق بين عامي 2007 و2008. ومدير «سي آي إيه» بين عامي 2011 و2012.
ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»