في يوم احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لتأسيسها، يرى كثيرون أن «الحلم الأميركي» أصبح مهدداً. فقد أظهر استطلاع رأي حديث أجرته وكالة «أسوشيتد برس» ومركز «نورك للأبحاث» أن ثلث الأميركيين فقط يعتقدون بأن «الحلم الأميركي» لا يزال قائماً. بينما أظهر استطلاع رأي آخر أجرته قناة «سي إن بي سي» أن غالبية الأميركيين يعتبرون هذا «الحلم» بعيد المنال.
لكن معظم استطلاعات الرأي العامة تعكس آراء الأميركيين حول إمكانية تحقيق «الحلم الأميركي» للآخرين. أما بالنسبة لتجربتهم الخاصة وحياتهم الشخصية، فهم أكثر تفاؤلاً.
ويعود التعريف الحديث للحلم الأميركي إلى جيمس تروسلو آدامز، الذي وصفه عام 1931 بأنه «حلم بأرض تكون فيها الحياة أفضل وأكثر ثراء واكتمالاً لكل فرد، مع إتاحة الفرصة لكل شخص وفقاً لقدراته أو إنجازاته». غير أن أصل الفكرة يعود إلى فترة تأسيس الولايات المتحدة، وإلى الوعد بالمساواة والحقوق غير القابلة للتصرف في الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. وتشكل تلك الروح الوطنية الفريدة النسيج الثقافي الملهم والمتطلع للمستقبل الذي يربط الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن الحلم الأميركي لم يكن متاحاً للجميع على مر تاريخها.
ولا يمكن اعتبار أن الحلم الأميركي قد انتهى، فرغم الاستقطاب والأزمات السياسية والوضع الاقتصادي غير المستقر، يواصل الأميركيون السعي لتحقيقه وعيش أجوائه.
وعلى مدى سبع سنوات، دأب معهد «آرتشبريدج»، وهو مركز أبحاث أميركي مستقل للسياسات العامة، على استطلاع آراء الشعب الأميركي مباشرة حول حياتهم وعائلاتهم. وقد أفاد 67% من الأميركيين الذين شملهم استطلاع العام الحالي أنهم حققوا الحلم الأميركي بالفعل أو أنهم أوشكوا على تحقيقه. ويرى 71% أن لديهم فرصاً أكثر أو مماثلة تقريباً لتلك التي أتيحت لآبائهم. بينما قال 68% من الآباء الشيء نفسه عن الفرص المتاحة لأبنائهم.
ويعتقد 33% أن «الحلم الأميركي» بعيد المنال، بسبب العوائق الاقتصادية. وفي ظل استمرار القلق من التضخم، وارتفاع أسعار الوقود، وبطء نمو الأجور، وارتفاع تكاليف السكن، لا يبدو هذا الاعتقاد مفاجئاً. لكن اللافت أن 8% فقط من هذه الفئة المتشككة، أي ما يعادل 3% من إجمالي المشاركين، يعتقدون أن الحلم الأميركي غير موجود أصلاً، وهي مشكلة أكثر تعقيداً.
كما يُعرف الأميركيون الحلم الأميركي من منظور شخصي ومدني أكثر من كونه هدفاً مادياً. فقد قال أكثر من 75% إن حرية اختيار أسلوب الحياة والتمتع بحياة أسرية جيدة هما أهم عناصر الحلم الأميركي، بينما جاءت ملكية منزل أو تحقيق الثراء في مراتب متأخرة.
ولا يزال الأميركيون يتمتعون بروح وطنية عالية. فقد وافق أكثر من 80% من المشاركين في الاستطلاع على أن أي شخص يمكن أن يتحلى بالوطنية بغض النظر عن خلفيته الدينية أو انتمائه السياسي. وأعرب 73% عن شعورهم بالفخر لكونهم أميركيين، ويعتقد عدد أكبر بأن الوطنية قد تكون قضية مشتركة توحد الأميركيين. بينما يشعر 66% بأن الحلم الأميركي جزء مهم من وطنيتهم.
ويبدو أن الرواية التي يرددها الأميركيون لأنفسهم تتناقض مع تجاربهم الشخصية، لكنها مترسخة في أذهانهم. فإذا قيل للناس باستمرار أن البلاد ميؤوس منها، وأن عقباتها دائمة، وأنه من السذاجة الشعور بالأمل فيها، فسوف يصدقون ذلك في نهاية المطاف. وبينما يقول ثلثا المشاركين إنهم حققوا الحلم الأميركي أو هم في طريقهم لتحقيقه، يعتقد 48% فقط أن أغلب الأميركيين قادرون على تحقيقه، حيث تُظهر تلك الفجوة كيف تشوه الروايات التشاؤمية الواقع.
وتظهر نتائج تلك الاستطلاعات نفسها أن النظرة إلى «الحلم الأميركي» أصبحت أكثر تشاؤماً مما كانت عليه قبل بدئها قبل سبع سنوات. ففي عام 2022، قال 18% فقط، إن الحلم الأميركي بعيد المنال، لكن هذه النسبة تضاعفت تقريباً خلال أربع سنوات. ورغم أن العوائق الاقتصادية تمثل أزمة حقيقية، إلا أنها قابلة للمعالجة عبر تبني سياسات أفضل، مثل إصلاح قوانين ترخيص المهن وتحسين لوائح تنظيم استخدام الأراضي، بما يسهل على الأميركيين بناء مسيرتهم المهنية ويجعل السكن ميسور التكلفة.إن أفضل هدية يمكن للأميركيين أن يقدموها لأنفسهم في الذكرى الـ 250 لتأسيس أمتهم هي مواصلة الإيمان بالحلم الأميركي، ليس عاطفياً، بل عملياً. وهذا يعني الاستمرار في الحلم، واتخاذ خطوات عملية لتحقيق الازدهار البشري، وبناء الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح لمزيد من الأميركيين بتحقيق الحلم.
*الرئيس والمدير التنفيذي لمعهد آرتشبريدج المتخصص في السياسات العامة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


