خلال مناورة عسكرية أُجريت الربيع الماضي، أمر العقيد ريتشارد رايان بيل، قائد لواء في الفرقة 101 المحمولة جواً بالجيش الأميركي، باختراق خط دفاعي باستخدام روبوتات بدلاً من الجنود. واستخدمت السّرية طائرة مسيّرة كبيرة لإطلاق مسيّرات أصغر عطّلت أجهزة التشويش الإلكترونية، ثم أطلقت 25 طائرة هجومية انتحارية لتدمير المخابئ ومواقع الرشاشات، فيما تولت مسيّرات أخرى إطلاق ستار دخاني وفتح ثغرات في الأسلاك الشائكة، بينما فجّرت مركبة غير مأهولة الألغام الأرضية.
واستخدمت السّرية نحو 35 طائرة مسيّرة وأكثر قليلاً من 100 رطل من متفجرات «سي 4»، بتكلفة تقل عن ثلاث قذائف مدفعية، بحسب العقيد بيل، الذي قال: «أرسل الروبوتات قبل الجنود. هكذا أتصور استخدامها مستقبلاً». وتعمل مراكز التدريب الأميركية والأوروبية على استيعاب الدروس المستخلصة من الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط، مما يُحدث تحولاً جذرياً في أساليب القتال لدى القوات الأميركية. وتختبر وزارة الحرب الأميركية إرسال أسراب من الروبوتات والمسيّرات إلى مناطق الخطر قبل الجنود، لاختراق المواقع المحصّنة وتقليل الخسائر البشرية.
ورغم ريادة الولايات المتحدة في تطوير المسيّرات خلال حربي العراق وأفغانستان، فإنها واجهت صعوبة في توفير طائرات منخفّضة التكلفة بسبب اعتماد وزارة الحرب الأميركية على أنظمة متطورة باهظة الثمن. ولتجاوز ذلك، خصّصت البنتاجون نحو مليار دولار لـ «مبادرة السيطرة على الطائرات المسيّرة» لشراء أكثر من 200 ألف طائرة مسيّرة صغيرة بحلول عام 2027، بينما تنتج أوكرانيا نحو 500 ألف طائرة هجومية صغيرة شهرياً.
ويرى قادة البنتاجون أن التكيف مع التكنولوجيا الحديثة يتطلب خلق ثقافة جديدة، حيث يصنع الجنود الشباب الطائرات المسيّرة ويختبرونها في ساحات معارك افتراضية، ويتعلمون ويُعدّلون أجزاءها باستخدام طابعات ثلاثية الأبعاد في الميدان، استعداداً لمعارك قد يواجهون فيها أسراباً من المسيّرات والمركبات الروبوتية المعادية. وقد حظر مسؤولو الدفاع المكونات الصينية الزهيدة التي يستخدمها مُصنعو الطائرات المسيّرة لخفض التكاليف، خشية التجسس المحتمل، ما أدى إلى تعزيز الأمن، لكنه رفع تكاليف الإنتاج.
كما تعرّضت التدريبات العسكرية الأميركية للانتقادات لكونها غير واقعية ومتساهلة جزئياً، لأن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تنظّم العمليات التي قد تتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» لشركات الطيران والأفراد، حسب ستيسي بيتيجون، مديرة برنامج الدفاع في مركز الأمن الأميركي الجديد، وهو مركز أبحاث غير حزبي. ومن الأمثلة على تلك القيود، فرض إدارة الطيران الفيدرالية حظراً مؤقتاً على الطيران فوق فورت هانكوك قرب قاعدة فورت بليس، حيث تُجرى تدريبات على مكافحة الطائرات المسيّرة.
واختير لواء العقيد ريتشارد بيل قبل ثلاثة أعوام ليشكّل الوحدة التجريبية الرئيسية في الجيش الأميركي لاختبار أحدث القدرات العسكرية قبل تعميمها. وخلال تدريب في قاعدة فورت بولك بولاية لويزيانا، استخدم اللواء 500 طائرة مسيّرة، بينها أكثر من 225 طائرة هجومية انتحارية جمع الجنود مكوناتها بأنفسهم.
ففي التدريبات الحربية، تعاملت القوات مع الطائرات المسيّرة كما لو كانت ذخيرة، مستخدمة 20 طائرة على الأقل يومياً. وبهذا المعدّل، سيحتاج اللواء إلى نحو 1500 طائرة أسبوعياً في العمليات القتالية المستمرة، مضيفاً أنه لن يتم استخدامها إذا لم يتوفر سوى طائرة أو اثنتين، أو إذا كانت باهظة الثمن.
وأكد على ضرورة أن تكون المسيّرات سهلة التشغيل، خاصة في ظروف القتال التي قد يتولى فيها جنود صغار السن تشغيلها بعد ساعات طويلة من الاستيقاظ.
كما اختبر اللواء حدود الذكاء الاصطناعي، عبر تزويده بأدلة التدريب ونحو 25 ألف تقرير صادر عن مستشعرات المسيّرات، لرسم صورة لساحة المعركة. وأظهرت التجربة أن الذكاء الاصطناعي لم يكن فعّالاً في تخطيط المهام بسبب محدودية فهمه للحيز ثلاثي الأبعاد، لكنه ساعد في محاكاة تكتيكات العدو واكتشاف نقاط الضعف في الخطط العسكرية.
ومثّلت الطاقة أيضاً أحد التحديات، إذ أن المسيّرات عرضة للتشويش وتتطلب شحناً متكرراً، ما قد يكشف مواقع القوات بسبب الحرارة والإشارات الكهرومغناطيسية والضوضاء. ولمواجهة ذلك، أنشأت الوحدات مراكز قيادة ممّوهة في مواقع يصعب رصدها، مع تغيير أماكنها كل 18 إلى 30 ساعة، والاستغناء عن شبكات الواي فاي وتقليل الاتصالات إلى الحدّ الأدنى.واعتمدت القوات كذلك على المسيّرة «إيه 101»، التي تبلغ تكلفة تصنيعها نحو 750 دولاراً، وتُنتج أجزاؤها الرئيسية بالطباعة ثلاثية الأبعاد داخل الموقع. وبعد استبعادها في البداية بسبب احتوائها على شريحة معالجة أجنبية، أدرجها البنتاغون لاحقاً ضمن قائمته للمسيّرات المعتمدة.
*صحفية متخصصة في الأمن العالمي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

