تابعت زيارة الأديب والمثقف الإماراتي الكبير معالي محمد أحمد المر لإحدى المقابر في مدينة لندن، وأنا عادة أتابع قراءاته للأماكن التي يزورها، خاصة حين تكون أماكن مررت بها من قبل؛ وذلك لأن قراءته للمكان تجعلني أكتشف الجوانب الأخرى المخبوءة في ذاكرة تلك الأماكن.
هذه الزيارة أخذتني إلى سؤال بعيد قليلاً عن المكان ذاته وهو ماذا بعد موت الإنسان؟
 وهنا أنا لا أنظر للسؤال من عمقه الديني أو الفلسفي الكبير، وإنما أنظر إلى ظاهر السؤال البسيط والمباشر، بمعنى هل تنتهي مسؤولية الدولة تجاه الإنسان لحظة وفاته؟ وهل تظل كرامته جزءاً من مسؤولية المجتمع بعد أن يغادر الحياة؟
بدأت أبحث في أنظمة المقابر في عدد من الدول، وفوجئت أن الأمر مختلف ومتباين بين الدول والمجتمعات. في بعض الدول لا تشتري الأسرة أرض المقبرة بالمعنى الذي نتصوره، وإنما تحصل على حق الدفن أو الانتفاع بالموقع لفترة زمنية محددة. وعندما تنتهي المدة المحددة قد يحتاج الورثة لتجديد هذا الحق عبر سداد الرسوم المقررة، وإذا لم يتم التجديد فقد تستعيد الجهة المختصة حق التصرف في الموقع وفقاً للقانون. 
 وبالطبع، لكل دولة أسبابها في تنظيم الأمر من حيث مساحة الأرض، وكثافة السكان، وطبيعة المدن، والتاريخ الاجتماعي والديني للمجتمع، كلها عوامل تدخل في طريقة إدارة الدولة للمقابر. ولهذا أنا هنا لست بصدد تحويل الأمر الى مقارنة أخلاقية بين دول تحترم الموت وأخرى لا تحترمه.
 ولكن ما لفت نظري هو تعامل دولة الإمارات العربية المتحدة مع الأمر. في المقابر العامة هنا، لا تدخل الأسرة في علاقة مالية ممتدة مع المكان الذي دفن فيه فقيدها، ولا تعيش بعد سنوات وهي تفكر في موعد انتهاء الانتفاع بحق الدفن أو تكلفة جديدة. حيث تقوم الجهات المختصة بتوفير خدمات تجهيز المتوفى وتغسيله وتكفينه ودفنه وفقاً للأنظمة، وهناك مقابر للمسلمين وأخرى لغير المسلمين، بما يراعي المعتقدات والطقوس المختلفة.
 قد يبدو الأمر في البداية خدمة بلدية صغيرة إذا ما قورنت بالتعليم والصحة والإسكان، لكني أرى فيه زاوية مختلفة، فالوفاة واحدة من أصعب اللحظات التي تمر بها أي أسرة. وفي هذه اللحظة تحديداً، لا يكون الإنسان مستعداً للدخول في حسابات مالية أو تفاوض أو أوراق تتعلق بثمن المكان.
أدركت أننا نعيش في دولة تحترم الإنسان حياً، وتحفظ كرامته ميتاً، فاللافت في الإمارات أن الأمر لا يتعلق بمواطن أو مقيم، فالكل سواسية في الألم، ومن حق من عاش على هذه الأرض أن يدفن بكرامة فيها عند انتهاء رحلته في الحياة.
 علاقة الإنسان بالمكان ليست دائماً مكتوبة بجواز سفره، هناك أشخاص يولدون في بلد ثم يقضون أعمارهم في بلد آخر يعملون فيه ويكبر أبناؤهم فيه، وتصبح شوارع هذا البلد جزءاً من ذاكرتهم اليومية، وحين تأتي لحظة إسدال الستار على حياة الإنسان يجد بوابة رحلته إلى العالم الآخر تحفظ له كرامته.
 نحن كثيراً ما نقيس تقدم الدول بما تبنيه من طرق ومطارات ومستشفيات وجامعات، ولكن هناك أشياء أخرى تبدو أصغر حجماً وأهمية، لكنها تقول الكثير عن العمق الحضاري للمجتمع، مثل طريقة استقبال الطفل حين يولد، وطريقة التعامل مع المريض حين يضعف وطريقة رعاية الكبير عندما يتقدم به العمر، ثم الطريقة التي يودع بها الإنسان عندما ينتهي كل شيء.
 ربما لهذا بقيت زيارة الأستاذ محمد المر للمقبرة في ذهني بعد أن انتهيت من مشاهدتها، فقد جعلتني أفكر في شيء لم أفكر فيه من قبل عن العلاقة بين الإنسان والوطن التي لا تظهر فقط في الأشياء الكبيرة التي نحتفل بها، وإنما أحياناً تظهر في مكان صغير جداً من الأرض يستقر فيه الجسد حين تغادره الروح ولا يحتاج له الإنسان إلا مرة واحدة في نهاية الرحلة.

* باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.