في كتابه «إسلام الأنوار، تاريخ النزعة الإنسانية الإسلامية» الصادر مؤخراً، يبيّن المؤرّخ الفرنسي أوليفييه هان أن الاتجاه التنويري ليس ظاهرة حديثة في الفكر الإسلامي، مستوحاةً من التنوير الأوروبي، بل له جذوره في التقليد الوسيط الذي برزت فيه اتجاهاتٌ عقلانية إنسانية مختلفة، في إطار مناخ الانفتاح الفكري والفلسفي مع الثقافات الأخرى ومسارات النشاط العلمي والأدبي.
لم يكن هذا الاتجاه خاصاً بالفلاسفة الذين تأثروا بالفكر اليوناني، ولا بعلم الكلام المعتزلي الذي عادة ما يُقدّم أنه التيار العقلاني الوحيد في الثقافة الإسلامية الوسيطة، بل يمتد إلى الأشاعرة والصوفية والمؤرّخين والأدباء.
في ضوء نظرية هان، يمكن أن نميّز بين ثلاثة أنماط من العقلانية في التقليد الإسلامي الوسيط: العقلانية الأخلاقية لدى المعتزلة، والعقلانية النصّية لدى الأشاعرة وبعض فقهاء الإسلام من أهل الحديث والأثر، والعقلانية الوجودية لدى الفلاسفة.
العقلانية الأخلاقية تبرز في مذهب التحسين والتقبيح العقليين، الذي هو الميزة الخصوصية للمتكلمين المعتزلة في المبدأ الناظم لأفكارهم، وهو استقلالية وكونية المعايير الأخلاقية في النظر والعمل، دون تمييز بين حقل الصفات والأفعال الإلهية وميدان النشاط الإنساني. فالمعايير التي تُحدّد المرجعية التأويلية في فهم الصفات الإلهية وطبيعة العدل والخير في مجرى الأقدار هي نفس المعايير التي تحكم التصرفات البشرية الفردية والجماعية وتفسّرها. والعقل هنا بالأساس نشاطٌ معياري قيمي، حتى في الوجوديات والطبيعيات والإلهيات، وذلك هو مدار التصور الاعتزالي الذي لا علاقةَ له بأفكار الحرية الحديثة.
أما العقلانية النصّية، فتنطلق من كون الممارسة التدبرية والنظر البرهاني يجب أن ينطلقا من إمكانات التأويل الرّحبة في النَّص، فلا تفكير من خارج الكتاب والأثر. في العقلانية النصية الأساسُ هو استكناهُ الدلالات والمعاني وضبط سلاسل البراهين والحجج وفق النظر الموجَّه بالاعتقادات والقيم. فلا تعارض بين العقل والنقل أو «صريح المعقول وصحيح المنقول»، ما دام طريق فهم النّص هو النظر العقلي الذي اعتبَره المتكلمون الأشاعرةُ الفريضةَ الأولى في أصول الدين.
أما العقلانية الوجودية، فتنطلق من تماهي اللوغوس والكوسموس حسب العبارة اليونانية القديمة، أي الصور والمُثل والكليات المجردة من جهة، وظواهر الطبيعة ومكوناتها من جواهر وكائنات وأشياء من جهة أخرى. في العقلانية الوجودية، الحقيقة هي ماهيّةُ الموجودات، وليست الألفاظُ والمعاني سوى التعبير عن الأشياء في استقلاليتها الموضوعية عن الأذهان واللغة.
وهذه الأنماط الثلاثة من العقلانية ليست متعارضةً ولا متصادمةً، فالأشاعرة وإن رفضوا مبدأَ التحسين العقلي، إلا أنهم اعتمدوا التعليلَ بالحكمة والمقصد، بما يعني في نهاية المطاف القولَ بالتأويل العقلي. كما أن المعتزلة هم أئمة التأويل اللغوي والبلاغي، وقد سايرهم أهلُ السُّنة في جُلِّ تفاسيرهم للنص المقدس واعتمدوا نظرياتهم في البيان والدلالة والمعاني
وكذا الأمر بالنسبة للفلاسفة المسلمين، الذين ذهبوا إلى أن مسلك الإبداع الفلسفي هو التأويل الذي يسمح بإبراز تطابق المقولات الأنطولوجية وحقائق الشرع المنزل (أي الموروث اليوناني والوحي المرسل)، كما هو ظاهر لدى عموم فلاسفة الإسلام، من الكندي والفارابي إلى ابن باجة وابن رشد.
وقد تغيّرت بطبيعة الحال الفكرةُ العقلانيةُ في العصور الحديثة، لكن لا يزال مدار هذه الفكرة يدور حول ثلاثية الوجود والنص والأخلاق، وإنْ تغيرت الخلفيات والمنطلقات بين المسارين.
والأخلاق في الوقت الراهن لم تَعُد أخلاق الفضيلة والسعادة، بل أخلاق الواجب والضمير الذاتي (بالمفهوم الكانطي)، والنّص أصبح يُنظر إليه بصفته نسقاً مفتوحاً من العلامات المتجذّرة في المعيش والتاريخي، والوجود تحوّل إلى طبيعة إجرائية تخضع للمعاينة التجريبية والتصرف التقني.
لا شيء يحول دون استيعاب التقليد الإسلامي لهذه المحددات الجديدة في الممارسة العقلانية، بدلاً من المحاولات اللاتاريخية لإعادة الاعتبار للمواقف الكلامية والفلسفية القديمة (كالنظر إلى عقيدة خلق الأفعال المعتزلية بصفتها تعبيراً عن فكرة الحرية واستقلالية الإرادة واعتبار الرشدية نزعةً علمانية تنويرية سابقة على العصر)، أو النظرة العدمية للتقليد، عوضاً عن التفكير المتجدد من داخله وبحسب إمكاناته التأويلية الواسعة.
المطلوب اليوم هو إعادة بناء المنظور العقلاني على أساس التداخل الكثيف بين تأويلية الوجود وموضوعية النظر العلمي ومناهج قراءة النص المعاصرة.
وإذا كانت الهرمنوطيقا الفلسفية الحديثة قد خرجت من نقاشات وجدالات اللاهوت المسيحي، في حين قامت التصورات الليبرالية المعاصرة على تحويل الأخلاقيات الجوهرانية إلى قيم عمومية كونية، وترجمت العقلانية العلمية فكرة التمايز الوجودي والتناسب الإبستمولوجي بين أحكام الفكر وظواهر الطبيعة، فإن هذه التحولات تفرض مراجعة منظومتنا العقلانية وإعادة بنائها وفق ثوابتنا المرجعية التي لا خلاف حولها.
*أكاديمي موريتاني

