لم يكن صيفاً موفقاً للولايات المتحدة، فالبلاد غارقة في حرب مع إيران دون مخرج واضح، فيما تهدد جولة جديدة من الرسوم الجمركية بمزيد من الاضطراب في العلاقات التجارية العالمية الهشّة، ويواجه الاقتصاد المحلي تضخّماً مصحوباً بنمو ضعيف. ولم يمثّل الرئيس دونالد ترامب قوة إيجابية للولايات المتحدة العام الحالي، والعديد من سياسات إدارته لا تبشّر بالخير للمستقبل. لكن من خلال إضعاف أميركا، قد يُعزّز ترامب بقية دول العالم.
وبالنظر إلى التحالفات العسكرية مثلاً، نجد ترامب يدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على أنفسهم. وكان من المفترض أن تعزّز الحرب مع إيران الدور الأميركي في منطقة الخليج العربي، وأن تُسرّع توسيع الاتفاقات الإبراهيمية بين إسرائيل وجيرانها العرب. لكن الصراع أدى بدلاً من ذلك إلى زيادة المسافة بين أميركا وشركائها في المنطقة. ووقّعت السعودية اتفاقية دفاعية مع تركيا وباكستان، تتجاوز الولايات المتحدة وتجعل أي اتفاق مع إسرائيل أمراً مستبعداً. ومن المرجّح أن يُلحق تهديد ترامب الأسبوع الماضي بقصف عُمان إذا تدخّلت في المفاوضات مع إيران ضرراً أكبر بمكانة أميركا في المنطقة.
وتتجه دول أخرى أيضاً بعيداً عن الولايات المتحدة الأميركية مع تذبذب موقفها كحليف بشكل متزايد. فقد دفعت تهديدات ترامب المتقطّعة بضم غرينلاند الدول الأوروبية إلى الاعتماد بشكل متزايد على قدراتها الدفاعية وتحالفاتها غير الأميركية. ورغم أن أوروبا لا تزال بحاجة إلى بعض الدعم الأميركي، فقد انقلب الرأي العام من اعتبارها شريكاً قيماً إلى اعتبار أوروبا مسؤولة عن أمنها ودفاعها بطريقة مستقلة.
وتظهر اتجاهات مماثلة بين الدول الآسيوية التي تأمل في مواجهة النفوذ الصيني. فبدلاً من الاعتماد على الدفاع الأميركي، تتجه دول مثل اليابان والفلبين نحو التعاون فيما بينها وتعزيز قدراتها العسكرية. ورغم أن هذا لا يكفي للاستغناء عن الاعتماد على واشنطن، إلا أن هذه الدول حققت تقدماً كبيراً عما كانت عليه قبل عقد. وقد يُسهم قرار ترامب بتقليص التعاون العسكري الأميركي مع جمهورية كوريا، مُستنداً إلى علاقته «الجيدة للغاية» مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في تسريع هذا التحول نحو الاستقلال عن الولايات المتحدة.
وبالطبع، أصبح الحلفاء أكثر استقلالاً عن الاقتصاد الأميركي أيضاً. فدول العالم تبحث عن شركاء تجاريين جُدد وتحاول الحد من اعتمادها على الدولار باعتباره الوسيلة الوحيدة للتجارة الدولية. وقد دفعت استعدادات إدارة ترامب لاستخدام الدولار أداة للإكراه السياسي الدول الأوروبية إلى البحث عن خيارات جديدة. ولا يزال الدولار العملة الأهم في المعاملات العالمية، دون منافس واضح، لكن ذلك قد يتغير. فقد تراجعت حصة المشترين الأجانب من الدين الحكومي الأميركي خلال العقد الماضي، كما ظهرت أنظمة بديلة عدة للمدفوعات العالمية المقومة بالدولار.
ومن السابق لأوانه إعلان نهاية القيادة العسكرية أو الاقتصادية الأميركية. لكن «تأثير ترامب» سرّع بالفعل التحول بعيداً عن واشنطن ووول ستريت، باتجاه تحالفات لامركزية وأكثر تنوعاً حول العالم.
وسيؤدّي ذلك إلى تقليص القوة والنفوذ الأميركيين نسبياً، بطرق قد تنعكس قريباً على الداخل الأميركي. فإذا أصبح العالم أقل اهتماماً بشراء الدين الحكومي الأميركي، فقد ترتفع تكلفة خدمة تريليونات الدولارات التي تدين بها الحكومة الأميركية بالفعل. وإذا أصبح العالم أقلّ اعتماداً على الولايات المتحدة عسكرياً، فقد يقلُّ اهتمامه بها اقتصادياً، ما يغلق فرصاً أمام الشركات والمستثمرين الأميركيين. كما أن ذلك يجعل أميركا أكثر عُرضة لتنامي الحضور الصيني في الأسواق العالمية.
ورغم أن ذلك سيضر بالولايات المتحدة، فإنه قد يفيد دولاً أخرى. فزيادة القدرة على الصمود، وتقليص الاعتماد على الخارج، وفتح مسارات جديدة للتعاون العالمي، ستعزّز قوة أي دولة تتكيف مع هذا الواقع. ويمثّل هذا النظام الناشئ، من بعض الجوانب، ما كان نظام التحالفات الذي ظهر بعد عام 1945 يحاول خلقه: دول ذات سيادة ومستقرّة مكتفيّة ذاتياً بما يكفي لتلبية احتياجات مواطنيها ومترابطة بما يكفي لمنع حدوث أسوأ الصراعات. إلا أن إدارة ترامب، في سعيها الحثيث لترسيخ مكانة الولايات المتحدة كقوة عالمية مهيمنة، تُنشئ نظاماً عالمياً تتضاءل فيه أهمية أميركا.
*كاتب أميركي

