يتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة مذهلة، يكتب ويترجم، ويحلّل الصور والبيانات، ويتعلم ويستدلُّ، ويقدم في كثير من المهام إجابات تتفوق على الإنسان. وقد أصبح ينافس قدرات ارتبطت طويلاً بالعقل البشري، مثل التفكير واللغة والتعلم واتخاذ القرار.
بدأ الذكاء الاصطناعي بفكرة تقوم على محاكاة التفكير البشري من خلال الرموز والقواعد المنطقية، بحيث تنفّذ الآلة سلسلة من التعليمات للوصول إلى نتيجة، ثم تطوّر المجال مع الشبكات العصبية والتعلّم الآلي، فأصبحت الأنظمة تتعلم من كميات هائلة من البيانات، وتكتشف الأنماط والعلاقات، وتُطور أداءها دون الحاجة إلى برمجة كل قاعدة بصورة مسبقة.
وكنت أقرأ مؤخراً كتاب «The Cambridge Handbook of Artificial Intelligence»، فلفتني تناوله العميق لطبيعة العقل والفهم والوعي، وتطور الذكاء الاصطناعي من القواعد والرموز إلى الشبكات العصبية، وما يثيره ذلك من قضايا فلسفية وأخلاقية.
وكان تورينغ قد اقترح معياراً عملياً للذكاء، إذا حاور الإنسانُ آلة ولم يستطع التمييز بصورة موثوقة بينها وبين إنسان، فيمكن نسبة السلوك الذكي إليها.
وتبلور داخل هذا المجال تمييزٌ مهمٌّ بين الذكاء الاصطناعي الضعيف والذكاء الاصطناعي القوي، فالذكاء الضعيف يؤدي مهام ذكية محددة، دون افتراض امتلاكه عقلاً أو وعياً، بينما يقوم الذكاء القوي على إمكان بناء آلة تمتلك عقلاً حقيقياً، انطلاقاً من تصور للعقل البشري بوصفه نظاماً حاسوبياً.
أحد الأمثلة الواضحة على ذلك، ما طرحه الفيلسوف جون سيرل في تجربة «الغرفة الصينية». تخيّل شخصاً لا يعرف الصينية، لكنه يمتلك تعليمات تخبره بأي رمز يجيب عن كل رمز يصله، قد يقدم إجابات صحيحة تجعل مَن في الخارج يظن أنه يفهم الصينية، بينما هو في الحقيقة يتبع التعليمات ولا يفهم كلمة واحدة.
هذه التجربة تشرح ببساطة الفرق بين معالجة اللغة وفهم اللغة. فالآلة قد تعرف كيف ترتبط الكلمات ببعضها، وكيف تكون الجملة الصحيحة، وتقدم جواباً مناسباً، لكن ذلك وحده لا يحسم أنها تعيش المعنى بالطريقة التي يعيشها الإنسان. ولهذا ميّز سيرل بين التعامل مع شكل اللغة وبين فهم دلالتها ومعناها.
وترتبط بذلك «مشكلة تأصيل الرموز»: كيف تكتسب الرموز التي تعالجها الآلة معنى مرتبطاً بالعالم؟ فالإنسان يعرف «النار» من اللغة ومن رؤيتها وحرارتها وخطرها، بينما تبقى المعضلة في كيفية ربط الرمز لدى الآلة بما يشير إليه في الواقع.
وقدّم الفيلسوف هيوبرت دريفوس مشكلة أخرى. فالإنسان لا يعيش حياته وفق آلاف القواعد التي يستحضرها في رأسه قبل كل تصرف، عندما تقود سيارتك، تعرف في لحظة ما يستحق انتباهك، كطفل يقترب من الشارع، وتتجاهل آلاف التفاصيل الأخرى لأن عقلك يلتقط المهم بحسب الموقف.
وتُعرف هذه المعضلة في فلسفة الذكاء الاصطناعي بـ«مشكلة الإطار»، وهي قدرة النظام على تحديد المعلومات المهمة في موقف معين وسط كمية هائلة من المعلومات، ومعرفة ما يمكن تجاهله، وما التغير الذي يستدعي تعديل القرار. الإنسان يفعل ذلك بمرونة كبيرة من خلال خبرته ومعرفته بالسياق، وكانت هذه من المشكلات الصعبة أمام النماذج التقليدية للذكاء الاصطناعي.
وتطورت محاولات فهم الذكاء باتجاه مفهوم الإدراك المتجسّد، ومعناه أن ذكاء الإنسان مرتبط بوجوده في العالم، فنحن نتعلم بأجسادنا وحواسنا وحركتنا وتجاربنا. فالطفل يتعلم الحرارة والمسافة والحركة من تفاعله المباشر مع العالم، ويتعلم اللغة من علاقته بالناس والأشياء. ولذلك ينظر هذا الاتجاه إلى الذكاء باعتباره تفاعلاً مستمراً بين الدماغ والجسد والبيئة، وليس عملية حسابية تجري في عقل معزول عن العالم.
وتصبح القضية أكثر دقة مع الوعي والشعور. يستطيع الذكاء الاصطناعي وصف الألم والخوف، لكن وصف التجربة يختلف عن عيشها، ويُسمي الفلاسفة ذلك «الحالات الذاتية»، أي وجود ذات تشعر بالألم أو الفرح أو الخوف، دون وجود نظام يعرف الكلمات التي تصفها.
ويفرض الذكاء الاصطناعي تحدياً أخلاقياً أكثر جرأة: كيف نبني ذكاء اصطناعياً أكثر أخلاقية منا، كما أصبح أكثر قدرة منا في جمع المعلومات وتحليلها؟ وتزداد خطورة المسألة مع احتمال الوصول إلى الذكاء الخارق، ذكاء يتجاوز قدرات البشرية وتصعب السيطرة عليه. وعند هذه المرحلة تصبح الأخلاق هي الضمان الأهم أمام قوة تتجاوز قدرة الإنسان.
لقد صنع الإنسان عبر تاريخه أدوات ضاعفت قدرته الجسدية، وهو اليوم يصنع أداة تضاعف قدرته العقلية، وهذه هي القيمة الكبرى للذكاء الاصطناعي: أن يوسّع قدرة الإنسان على المعرفة والعمل واتخاذ القرار، من دون أن يتخلى الإنسان عن دوره في التوجيه والحكم والمسؤولية الأخلاقية.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.

