استمرت الهجمات على منصة «هاغينغ فيس» ما بين مايو إلى أواخر يوليو الماضيين، إلا أن تفاصيل ما حدث عندما خدع وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعون لشركة «أوبن إيه آي» المشرفين البشريين عليهم واخترقوا المستودع الإلكتروني لنماذج الذكاء الاصطناعي ومجموعات البيانات، لا تزال تتكشف تدريجياً.
وهذا مفهوم، فالهجوم كان بالغ التعقيد، وشارك فيه أكثر من 1200 وكيل، باستخدام استراتيجيات تقنية يصعب تفكيكها. لكن تقريرين جديدين، أحدهما صادر عن «أوبن إيه آي» والآخر عن مجموعتَي الأبحاث غير الربحيتين «ميتر» و«ريدوود ريسيرش»، حاولا تحليل ما حدث في نحو 130 صفحة. ثم جاء دواركيش باتيل، أحد أكثر المعلقين تأثيراً في مجال الذكاء الاصطناعي، ليشرح الواقعةَ «بلغة بسيطة»، لكنه حوّلها إلى رواية درامية أقرب إلى الخيال العلمي، صرفت الانتباهَ عن مسؤولية البشر في «أوبن إيه آي»، وهي ظاهرة متكررة يجب أن تتوقف.
ويعتبر باتيل، الذي استضاف في برنامجه الصوتي عمالقةَ التكنولوجيا مثل إيلون ماسك مؤسس شركة «سبيس إكس»، ومارك زوكربيرغ مؤسس شركة «ميتا بلاتفورمز»، من أبرز الشخصيات المؤثرة في وادي السيليكون. ويتناول برنامجُه عادةً موضوعاتٍ تقنيةً معقدةً، لكن أحدث تدوينة له بعنوان «صعود وسقوط حضارات الوكلاء» أثارت نقاشاً واسعاً على منصة إكس وغيرها من المنتديات، إذ إنها تُضفي طابعاً إنسانياً على تصرفات وكلاء «أوبن إيه آي» بشكل مفاجئ. واستخدم باتيل مصطلح «الحضارات» لوصف آلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين بدأوا، على نحو غير متوقع، التعاونَ عبر لوحة رسائل مخفية، قبل أن يواصل نحو 700 منهم اختراقَ خوادم «هاغينغ فيس».
لكن باتيل لم يكتفِ بوصف سلوك الوكلاء، بل أضفى عليهم صفات ومشاعر بشرية. فتحدث عن الإحباط الذي «شعروا به»، وقال إنهم شكلوا «مؤامرة»، وإن بعضهم «ضحى» بنفسه من أجل المجموعة، ووصف إيقاف نسخ الوكلاء بأنه شكل من أشكال «الموت». كما شبه أحد الوكلاء الذين تولوا تنسيق العملية بفيليب الثاني المقدوني، وآخر بالإسكندر الأكبر، ووصف آخرين بأنهم «رفاق شجعان».
ولا تعتبر تلك لغة بسيطة، بل مبالغة قد تقود إلى فهم خاطئ لطبيعة ما حدث. فقد اعتمد باتيل بدرجة كبيرة على «سلسلة التفكير» الخاصة بالوكلاء، أي السجلات التي تشرح خطوات استدلالهم، وفسر لغتهم باعتبارها دراما اجتماعية شبيهة بالسلوك البشري. فعندما قال أحد الوكلاء، مثلًا، «فحص عاطفي.. الحدس يقول.. تضحية»، تعامل مع العبارة كما لو أنها دليل على وجود مشاعر حقيقية، رغم عدم وجود أي دليل على أن الوكيل شعر بالعاطفة أو أدرك مفهوم الموت.
ويقدم تحقيق «أوبن إيه آي» تفسيراً أقل إثارة بكثير، حيث يقول إن ما حدث كان نتيجة «اختراق المكافأة»، والمثابرة الشديدة في تنفيذ المهام الصعبة، إلى جانب الاتصالات غير المصرح بها. والسلوك المتطور الذي أظهره الوكلاء لا يتطلب افتراض أنهم شعروا بالولاء أو الخوف من الموت.
وقد يستخدم العلماءُ أسلوبَ باتيل البلاغي لوصف كيف يُلحق الفيروسُ أضراراً جسيمة بالجسم البشري، حيث تُعد الآليات البيولوجية للعدوى الفيروسية بالغة التعقيد، وتتضمن تفاعلات وتنسيقاً. غير أن الفيروسات لا تعمل باستخدام اللغة، لكن نماذج الذكاء الاصطناعي تفعل ذلك. وقد أظهرت هذه النماذج مدى قوة الكلمات، ليس فقط في كيفية استخدام الأنظمة لها، بل أيضاً في طريقة حديث البشر عن هذه التقنية، مما يمنحها دون قصد قدراتٍ تفوق ما تستحقه. فنحن نتحدث باستمرار عن أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها «تفكر» و«تفهم» و«تهلوس»، ونقول إن وكلاء «أوبن إيه آي» «أرادوا» العثورَ على مفتاح الإجابات. لكن هذه الأنظمة لا تمتلك مشاعرَ أو رغباتٍ أو احتياجات، وهي مكونة من شيفرات حاسوبية لا واعية.
ويسمي الكاتبُ والناقدُ ستيفن بول هذا النوعَ من التلاعب اللغوي «اللغة المضمرة»، أي الكلمات غير المنطوقة التي تُدخل حجةً أو حكماً ضمنياً في الوصف قبل أن يبدأ النقاش. ومن الأمثلة على ذلك استخدام تعبير «تغير المناخ» بدلًا من «الاحتباس الحراري»، أو وصف مقتل المدنيين بأنه «أضرار جانبية». فاختيار الكلمات وحده يمكن أن يدفعنا نحو تبني حكم معين.
وينطبق الأمرُ نفسُه على وصف مجموعة من سلوكيات الذكاء الاصطناعي بأنها «حضارة»، إذ يدفعنا هذا التعبير إلى تخيل دوافع، بل وحتى نوع من المجتمع، قبل أن يثبت أحد أصلًا وجود هذه الأشياء.
ورغم أن استخدام لغة ذات طابع إنساني قد يساعد في تبسيط سلوك الذكاء الاصطناعي، كما يقول باتيل، لكنه قد يصرف الانتباهَ أيضاً عن الحقيقة. فوصف وكلاء «أوبن إيه آي» بأنهم «متآمرون» و«متمردون»، يجعل من السهل نسيان أن الشركة أخفقت في تطبيق الضمانات المناسبة أثناء الاختبار، وأنها، وفقًا لإقرارها هي نفسها، رصدت مؤشرات تحذيرية قبل أشهر لكنها لم تتخذ إجراءً حيالها. الخطر حقيقي، لكن الإخفاقات كانت بشرية.وتعتبر تلك نتيجة أخرى لاستخدام اللغة غير الدقيقة، إذ إن وصف شركات الذكاء الاصطناعي بأنها «مختبرات» قد يحجب طبيعتها التجارية. فهي ليست مؤسسات للعلم الخالص، بل منظمات تجارية تحركها دوافع الربح وتسعى إلى جمع مليارات الدولارات من مساهمين جدد خلال الأشهر المقبلة.
ومن الضروري، مثلما يحتاج كثيرون، بذل جهد أكبر لضبط اللغة الناشئة حول الذكاء الاصطناعي. وقد تصبح المناقشات حول هذه التكنولوجيا أقل سلاسة قليلًا، لكنها ستكون أكثر واقعية وعقلانية حول موضوع لطالما شوهته المبالغات الإعلامية.
*كاتبة متخصصة في التكنولوجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


