تدشِّن الإمارات يوم 30 سبتمبر الجاري مرحلةً جديدة من مشاريعها التنموية، حيث تبدأ تشغيل محطتي قطار دبي في منطقة جميرا والذيد في الشارقة، ضمن توسعات شبكة «قطارات الاتحاد»، في إطار الجهود لتوفير وسائل نقل آمنة وسريعة تربط بين المدن والمناطق، وتسهم في دعم الحركة التجارية والسياحية في الدولة. وبذلك يبدأ تشغيل خدمات الركاب بين أبوظبي ودبي والفجيرة في 30 سبتمبر، في إطار التوسع التدريجي لشبكة قطارات الاتحاد وتعزيز منظومة النقل في دولة الإمارات.
يُعَد القطار مشروعاً قومياً بامتياز، حيث تستهدف الشبكة نقل نحو 36.5 مليون راكب سنوياً بحلول عام 2030، ووفقاً لخطة الحكومة الاتحادية، سوف يبدأ تشغيل محطة منطقة الظفرة في 30 ديسمبر 2026، ليستكمل قطار الركاب مساره بمحطة الشارقة في 30 مارس 2027، وتغطي شبكته مسافة 1200 كيلومتر، وقد صُمم ليصل بين 11 مدينة من منطقة السلع في الغرب إلى الفجيرة في الشرق.
المشروع شريان اقتصادي مهم وجسر حيوي، سوف يسهم في تعزيز الترابط بين مختلف إمارات الدولة، ويرتقي بجودة الحياة، ويوفر حلولاً مستدامة ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني، ويعزّز مكانة الإمارات باعتبارها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية.
ويمثِّل القطار مرحلة جديدة في مسيرة تطوير البنية التحتية الوطنية، تتجاوز مفهوم النقل التقليدي إلى بناء شبكة اتصال حضرية واقتصادية متكاملة تربط المراكز السكانية والاقتصادية والسياحية في مختلف أنحاء الدولة، عبر توظيف أحدث التقنيات والابتكارات لتطوير منظومة نقل متقدمة، ليجسّد أمام أعيننا إنجازاً إضافياً يفتح آفاقاً جديدة للأعمال والاستثمار والسياحة.
رحلة القطار من محطة دبي إلى محطة مدينة محمد بن زايد في أبوظبي سوف تستغرق نحو 57 دقيقة، فيما تقطع رحلة السيارة للمسافة ذاتها نحو ساعة ونصف الساعة خلال الازدحام، الأمر الذي يجعل اتخاذ القطار وسيلة للتنقل ربما يكون خياراً أفضل اختصاراً للزمن.
وفي ظل توسُّع خيارات السكن والعمل أمام الموظفين والطلاب، قد يكون القطار خياراً عملياً للتنقل اليومي، بدلاً من الاعتماد على السيارات الخاصة، ومن ثم لم يكن مستغرباً أن يستقبل المواطنون والمقيمون مرحلة التشغيل التجريبي، بحفاوة بالغة وترحيب كبير بخطوة تواكب المستقبل وتطرح الخيرات المتعددة، بما يناسب احتياجات الجميع، وفق رؤية قيادة تصنع الغد ولا تنتظر قدومه.
ولا تقتصر أهمية المشروع على تسهيل عمليات النقل فحسب، بل تمتد لتشمل دعم العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ما يجعله أحد أهم ركائز التنمية الشاملة في دولة الإمارات.
يتوقع أن يسهم المشروع في خفض تكاليف النقل والشحن بنسبة تصل إلى 30%، استناداً إلى أن حمولة قطار بضائع واحد تعادل نحو 300 شاحنة ثقيلة، مما يسهم في تقليص الازدحام المروري، ويخفّض تكاليف صيانة الطرق، ويحسّن انسيابية حركة التجارة، فضلاً عما تمنحه هذه المزايا للشركات والصناعات المحلية من قدرات تنافسية إضافية، وتُعزّز كفاءة سلاسل الإمداد على مستوى الدولة.
ومع مستهدفات نقل نحو 60 مليون طن من البضائع سنوياً بحلول عام 2030، تكتسب الشبكة أهمية استراتيجية إضافية، من خلال ربطها أربعة موانئ رئيسة وسبعة مراكز لوجستية ومناطق صناعية، إضافة إلى ذلك، سوف تسهم الشبكة في خلق ممرات تنموية جديدة، بما يدعم التوسع العمراني ويعزّز جاذبية المناطق الناشئة للاستثمار.
وبرغم أجواء التوتر التي تعيشها المنطقة منذ فترة ليست قصيرة، فإن مشروع قطار الاتحاد يعكس الثقة في متانة الاقتصاد الوطني ومساره التنموي طويل الأمد، ويعزّز التوقعات بأن يشهد الاقتصاد زخماً أكبر في الأنشطة التجارية، وارتفاعاً في حركة القوى العاملة والاستثمارات، إلى جانب خلق المزيد من فرص العمل.
المشروع يكشف أن طموحات القيادة الرشيدة لا تتوقف عند إنجازات الحاضر، إذ تمضي بعزيمة وإصرار في تنفيذ خطط ترسم ملامح النقل المستدام خلال العقود المقبلة، وما نشهده على أرض الواقع، يؤكد أن القيادة تضع الإنسان في صميم عملية التنمية، وتجعل من الاستثمار في البنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا ركائز أساسية لتعزيز تنافسية الدولة وريادتها العالمية.
إنّ جوهر الإنجاز الذي تحقق بتدشين «قطار الاتحاد» لا يتوقف على اختصار المسافات وتقليل ساعات السفر، لكن الأهم أنه عزّز الروابط بين مختلف المناطق، بما ينسجم مع خطط الدولة وتوجهات القيادة ورغبتها الصادقة في تحقيق التنمية المستدامة وتناغم العمران في كل أنحاء الإمارات وتأكيد السيادة على ترابها الوطني.
على ضوء كل ما سبق، نؤكد بيقين كامل أنه لا يمكن النظر إلى «قطار الاتحاد» باعتباره مجرد مشروع للنقل، بل هو مشروع استراتيجي ضمن «مشاريع الخمسين» يعكس طموحات الإمارات ورؤيتها، ويجسِّد التزامها بناء اقتصاد متنوع وقوي قادر على مواجهة التحديات المستقبلية.


