فرضت الحرب الأميركية الإيرانية نفسها على اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدّد إيران وأبقى التفاوض مفتوحاً، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وتزامن ذلك مع اجتماع ترامب بقادة ومسؤولين من دول خليجية وعربية وإسلامية، واستمرار الاتصالات مع طهران عبر الوسطاء. ويؤكد الاجتماع أهمية مشاركة دول الخليج في صياغة أي اتفاق يمسُّ أمنها ومصالحها. ما بعد نيويورك أصبح مرحلة لبلورة شروط وتوافقات تُحدّد شكل التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب.
أعادت واشنطن البرنامج النووي إلى مقدمة أولوياتها، في مناورة تُركّز المفاوضات على أصل المواجهة، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائج الحرب. أما طهران فتدفع باتجاه مسار مختلف، يبدأ برفع الحصار والعقوبات واستعادة صادراتها مقابل فتح مضيق هرمز. بذلك تحصل إيران على مكاسب فورية وتؤجّل البحث في أكثر القضايا حساسية، من برنامجها النووي إلى قدراتها الصاروخية.
تتعامل دول الخليج مع إيران وفق حسابات متعددة. فالمصالح التجارية وعلاقات الجوار لا تلغي المخاطر المرتبطة بقدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي، والرّدع وحده لا يكفي لتنظيم علاقة تفرضها الجغرافيا. ولكل ملف أدواته، من الضمانات الأمنية إلى الحوار والتعاون الاقتصادي. وقد يعالج أي اتفاق بين واشنطن وطهران جانباً من الأزمة، لكن الاستقرار الخليجي يتطلب أيضاً منع انتقال صراعات النظام الإيراني مع أطراف أخرى إلى أراضي دول المنطقة.
أثبتت الحرب أهمية التفوق العسكري في إضعاف القدرات الإيرانية، وأكدت ضرورة تعزيز قدرة دول الخليج على حماية اقتصاداتها من تداعيات المواجهات الإقليمية. فالتصدي للهجمات يجب أن يقترن بتأمين المنشآت الحيوية وضمان استمرار إنتاج الطاقة وحركة التجارة، ومواصلة نشاطها التنموي مهما بلغت حدّة الأزمات.
ولذلك يجب أن تتضمن أي تسوية مع إيران ضمانات مستدامة لحرية الملاحة في مضيق هرمز، وفقاً للقانون الدولي، ومنع فرض رسوم أو ترتيبات تمنح طهران سلطة التحكم في حركة السفن. وقد وسّعت دول الخليج خياراتها عبر خطوط الأنابيب والموانئ ومسارات النقل البديلة، بما يقلل اعتمادها على المضيق، غير أن تلك الخيارات تُخفّف المخاطر ولا تعوّض أهميته للتجارة العالمية وأسواق الطاقة.
ويشكّل تهديد الحوثيين للملاحة في باب المندب تحدياً إضافياً للمفاوضات مع إيران. يملك «الحوثيون» حساباتهم اليمنية الداخلية، لكن ذلك لا يخرجهم من المعادلة الإيرانية في ظل ما تلقّوه من دعم عسكري وتقني وما يمثّله تحركهم من ضغط على أمن البحر الأحمر. وأي تسوية تعيد الاستقرار إلى مضيق هرمز وتترك باب المندب عرضة للتهديد تعالج نصف المشكلة وتُبقي النصف الآخر مفتوحاً.
ويمكن تطوير مفهوم الردع ليشمل المصالح الاقتصادية إلى جانب القوة العسكرية، على أن يبدأ تطبيقه بعد التوصل إلى تسوية تلتزم إيران بشروطها الأمنية. فربط التجارة والاستثمار بسلوك طهران يمنحها مكاسب من استقرار الخليج، ويجعل العودة إلى التصعيد سبباً لخسارتها. ويقتضي ذلك مراقبة تصرفاتها وتعليق تلك المزايا عند مخالفة الاتفاق.
وتقوم المقاربة الإماراتية على الجمع بين الدبلوماسية وتعزيز القوة الوطنية، بما يضمن حماية مصالح الدولة واستقلال قرارها في مواجهة الأزمات. وقد عكست كلمة الإمارات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رؤية شاملة تعطي الأولوية للحلول السلمية، مع التأكيد على احترام السيادة وحرية الملاحة، والاستثمار في القدرات الدفاعية والاقتصادية. وبذلك تستطيع الإمارات مواصلة التنمية دون الارتهان لنتائج المفاوضات مع إيران أو لتقلبات الأوضاع الإقليمية.
بعد اجتماعات نيويورك، تبدأ مرحلة إعادة تقييم للمواقف الأميركية والإيرانية، في ظل استمرار الوساطات والتحركات الأممية والإقليمية، واحتمال تجدد التصعيد إذا تعثرت المفاوضات. وتملك دول الخليج فرصة لتقريب مواقفها بشأن شروط التسوية، فكلما تعزّز التوافق بينها، ازدادت قدرتها على التأثير في التفاهمات المقبلة. ويبقى التحدي في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعالج أسباب التوتر مع إيران، بما يضمن استقرار المنطقة على المدى الطويل.
كاتب إماراتي


