السؤالُ الذي يفرضُ نفسَهُ ليس مجرَّدَ استفهامٍ عن حادثةٍ عابرة، بل عن مسارٍ سياسيٍّ متكرّر: متى يتحوّلُ الوطنُ عند جماعة «الإخوان» من ساحةٍ للمساومة إلى قضيةٍ تستحقُّ التضحية؟ ومتى يصبحُ القتالُ لديهم واجباً يتجاوزُ حساباتِ السلطة وموازينَ النفوذ؟
إنّ تاريخَ الجماعة، وتحديداً في اليمن، يتيحُ طرحَ سؤالٍ مشروعٍ حول طبيعة العلاقة بين المصلحة التنظيمية والموقف الوطني.
ففي اليمن، تُجلِي حربُ 1994م تعقيداتِ هذه العلاقة، إذ تحالف «حزب الإصلاح» (فرع الإخوان في اليمن) مع حزب «المؤتمر الشعبي العام» حزب الرئيس صالح لمواجهة «الحزب الاشتراكي اليمني» الذي أعلن فكَّ الارتباط عن الشمال وإنهاء الوحدة إثر اليأس من إصلاح مسارها. ولم تكن الحربُ مجرّدَ معركةٍ وطنية، بل كانت صراعاً على شكل الدولة والنفوذ بعد إسقاط خصمٍ سياسيٍّ كبير. وقد أشرك «الإصلاحُ» قوى جهاديةً حشدها الشيخ «الإخواني» عبد المجيد الزنداني -الذي قاد سابقاً حشدَ الشباب من كل العالم الإسلامي وبالأخص العرب إلى أفغانستان- فجمع بتعاون واتفاق مع أسامة بن لادن عناصر «القاعدة»، وما كان يسمى «الأفغان العرب» لاجتياح الجنوب، مُصْدِراً هو وعلماء الحزب يتقدمهم الشيخ الديلمي الذي كوفئ بعد الحرب بتسلم وزارة العدل فتاوى التكفير واستباحة دماء الشعب الجنوبي بحجة أن الجيش الجنوبي الكافر -بزعمهم- يتترس بالشعب، فيجوز قتل الشعب نساءً وأطفالاً وشيوخاً وعجزة ومدنيين غير مقاومين، هذه المشاركة لعناصر «القاعدة» موثّقةٌ بتقارير رسمية كوثائق الخارجية الأميركية.
ولمّا انقلب علي عبد الله صالح على «الإخوان»، تحالفوا مع أحزاب اليسار -التي يُصنّفونها أيديولوجياً بـ «الكافرة»- فأنشؤوا عام 2003م تكتّل «أحزاب اللقاء المشترك» وضمّ أكابر اليسار الاشتراكي والناصري و«البعثي».
وتتجلّى المسألةُ بوضوحٍ أكبر بعد سقوط صنعاء في سبتمبر 2014، حيث سيطر «الحوثيون» على العاصمة خلال أيّام، وسقطت المقرّاتُ العسكرية السيادية، ومنها مقرّ «الفرقة الأولى مدرّع» المرتبطة بعلي محسن الأحمر أحد رموز «الإخوان» في اليمن. وانتهى القتالُ باتفاق 21 سبتمبر وسط تهاوي مؤسسات الدولة.
وهنا تبرز المفارقة: فالجماعةُ التي حازت نفوذاً واسعاً قبل السقوط، غادرت العاصمة دون مقاومة تُذكر- باستثناء ما شهدته محافظة عمران شمالاً، حيث وقفت قواتُ التنظيم موقفَ المتفرّج على معسكر «اللواء 310 مدرّع» بقيادة القشيبي -المحسوب على الجماعة- وهو يُباد، فراح القشيبي ضحيةَ تخاذل رفاقه «الإخوان» وهم يكرّرون: «لن ننجرّ»، وحمّلوا الرئيس هادي وزر هذا التخاذل، بينما كانوا بكامل قوتهم في صنعاء مُفضّلين تسليم العاصمة، لأن القتال فيها لا يخدم بقاء الحزب كقوة، فكانوا يبحثون عن المناورة.
ثمّ كشفت الحربُ التالية مفارقةً أخرى -أي بعد إعلان «عاصفة الحزم»- إذ احتفظ «الإصلاح» بجزءٍ من تعز ومأرب باعتبارهما العمق البشري للحزب، وانضوى تحت مظلّة التحالف العربي بقيادة السعودية بعد تأخر نسبي من إعلان العاصفة، فبين إعلان العاصفة وتأييد حزب «الإخوان» في اليمن -التجمع اليمني للإصلاح- لها مدة أسبوع من الزمان قضوه يفكرون ويتدارسون أين مصلحتهم؟ هل الوقوف مع الدولة اليمنية والتحالف العربي يخدم مصالح الحزب أو لا؟! 
وهنا يتسامى السؤال: ما الذي يحدّدُ سقفَ قتالهم؟ هل هو خطرُ «الحوثي» على الدولة أم على التنظيم؟ أم موقعهم في السلطة والعلاقة مع القوى الإقليمية؟
وهي أسئلةٌ ينطق بها الواقع، فقد وثّقت المصادرُ تبنّي قيادة «الإصلاح» خطاباً مهادناً للحوثيين أواخر 2014م، بل زارت قياداتٌ «إصلاحية» رفيعة عبد الملك الحوثي في معقله بمرّان بصعدة في 22 نوفمبر 2014م بعد سقوط صنعاء بشهريْن.
ومن جهةٍ أخرى، نجد تصنيف السعودية والإمارات لـ «الإخوان» تنظيماً إرهابياً أمراً موثّقاً، ممّا يوضح التناقض في موقف «الإصلاح»، الذي وجد نفسه مع حلفاء يربطهم به تاريخٌ من الريبة، ممّا يثبت أن المصالح تتجاوز الخصومات الأيديولوجية.
إنّ هذه الصورة تتكرّر في تجربة «الإخوان»: فعندما يُهدَّد بقاءُ التنظيم، تتسعُ التحالفات ولو مع أشدّ التيارات بعداً عن الدين، ويتحوّل الصراعُ السياسي إلى حربٍ مفتوحة يُصبح فيها المعيار: «مَن يخدمُ معركتنا السياسية؟» لا «مَن الأقرب عقيدةً؟».
فالمسألةُ في أولوية التنظيم حين تتصادم مع مصلحة الوطن: فحين يكون الوطنُ طريقاً للسلطة، يُصبح الدفاعُ عنه قضيةً كبرى. وحين تكون الحربُ لإقصاء خصم، يُصبح القتالُ واجباً. وحين تضمنُ المعركةُ نصيباً في الحكم، تُرفعُ راياتُ التعبئة. أمّا إذا هُدّدت بنيتهم التنظيمية، فإن الحماس يخبو، بل ينعدم، والخطاب يتبدّل من المواجهة إلى التفاوض.
وهنا تكمنُ خطورةُ تحويل الوطن إلى حصةٍ سياسية، فالوطنُ ليس غنيمةً ولا ورقةً تفاوضية، بل هو ما يُضحّى بالسلطةِ من أجله، لا ما يُضحّى به من أجل السلطة.
ولذلك، فإن السؤالَ الذي يجب أن يبقى شاخصاً أمام تجربة «الإخوان» في اليمن ليس: «هل قاتلوا؟»، فهم يدّعون القتال، والوقائعُ تشهدُ أنهم قاتلوا في محطاتٍ استلزمت صيانةَ مصلحة حزبهم، وتحالفوا في محطات، وتفاوضوا في أخرى، وانسحبوا وسلموا معسكراتٍ بعدتها وعتادها ومحافظاتٍ بأكملها لحساباتهم السياسية وهو مسارٌ يطبعُ تاريخهم ككل، ليس في اليمن فحسب، بل حيثما وجدوا.
إنما السؤالُ الأعمقُ والأهم: متى تكونُ مصلحةُ الوطن هي التي تُحدّدُ موقفَ التنظيم، ومتى تكونُ مصلحةُ التنظيم هي التي تُحدّدُ معنى الوطن؟
فإذا صار الوطنُ عزيزاً بقدر ما يضمنُ للجماعة نَصِيباً من الحكم، وغالياً بقدر ما يفتحُ لها أبوابَ النفوذ، ورخيصاً حين لا يحقّقُ لها مكسباً سياسياً، فإن المشكلةَ لا تعودُ مشكلةَ حزبٍ أو جماعة، بل تُصبح أزمةً في تعريف معنى «الوطن» الذي يراه منظر «الإخوان» الأكبر سيد قطب كما في «ظلال القرآن»، عند تفسير سورة الأنفال، (المجلد الثالث ص 1441) حيث قال: «أما الأرض -بذاتها- فلا اعتبار لها ولا وزن»، وهو عين ما يلهج به الأتباع في مجالسهم وندواتهم من قولهم: (ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن).
 فالوطنُ الذي لا يُدافعُ عنه إلا إذا كان الدفاعُ عنه مربحاً سياسياً، يتحولُ من قضيةٍ جامعة إلى صفقةٍ مؤجلة. وهنا فقط، يتجسّدُ السؤالُ المطروح في عنوان المقال بمزيدٍ من الإلحاح: متى يُقاتِل «الإخوان» مع الوطن؟
والجوابُ لا يُستلهمُ من الشعارات البراقة، بل من مقارنة المواقف بالنتائج، والتحالفات بالمبادئ، وأوقات القتال بساعات الصمت، وما أُعلن في القول بما أُنجز على الأرض. فالتاريخُ لا يسألُ التنظيماتِ عمّا زغردت بأنها تريدُه، وإنما عمّا فعلته حقيقةً عندما تعارضت مصلحةُ الوطن مع مصلحة التنظيم.