تتسارع الأحداث والمتغيرات في المشهد اليمني مما يعقد بدوره المشهد الكلي للصراع في المنطقة، ولا سيما أن باب المندب لا ينبغي قراءته بوصفه فصلاً جديداً من الحرب الأهلية اليمنية؛ فالمشهد تجاوز حدود اليمن وأصبح جزءاً من صراع أوسع على من يملك القدرة على التحكم في حركة الطاقة والتجارة بين آسيا والخليج وأوروبا.

خلال أسابيع، حقق الحوثيون أكبر مكاسبهم البرية منذ سنوات، وسيطروا على الساحل اليمني للبحر الأحمر وباب المندب، ثم نقلوا الضغط نحو تعز والطريق الذي يصلها بعدن. وردت الحكومة اليمنية بإعلان عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق، وبدأت تحقق نتائج جيدة.

الأهمية الحقيقية لتعز تبدأ من الجغرافيا؛ فهي ليست مدينة منفصلة عن الساحل، بل عقدة بين الشمال «الحوثي» والجنوب الذي تتمركز فيه الحكومة، وبين المرتفعات اليمنية والساحل وباب المندب. 


لكن الصورة الأكبر تظهر عندما ننظر إلى اليمن من البحر. باب المندب هو المفتاح الجنوبي لقناة السويس، ومضيق هرمز هو المفتاح الشرقي للخليج. وفي البيئة الإقليمية الراهنة أصبح الضغط المتزامن على الممرين أخطر من السيطرة على أي مدينة.
 هرمز أصبح معطلاً فعلياً بفعل الحرب مع إيران، بينما أعطت مكاسب الحوثيين عند باب المندب قدرة إضافية  لإيران في الضغط على الطريق البديل. فباب المندب يُعد البوابة الجنوبية لقناة السويس. إذا فقدت شركات الشحن الثقة باستقرار هذا الطريق، فإن السفن لا تحتاج إلى إغلاق رسمي للمضيق كي تهرب منه؛ يكفي أن تصبح المخاطر والتأمين أعلى من تكلفة الدوران حول رأس الرجاء الصالح. عندها تخسر قناة السويس حركة مرور وعملة صعبة، وتزداد الضغوط الاقتصادية.والطرف الذي ينبغي عدم إغفاله هو الصين. بكين تعتمد على الطاقة والتجارة البحرية ولا ترغب في الاختيار بين شركائها.

ولهذا طلبت الصين من إيران، بصورة خاصة وفق رويترز، استخدام نفوذها لكبح الحوثيين. والمفارقة أن الصين أصبحت أمام اختبار لقوتها كدولة كبرى: مصالحها الاقتصادية هائلة، لكنها لا تملك حتى الآن منظومة أمنية إقليمية تعادل حجم تلك المصالح. وإذا أصبح هرمز وباب المندب معرضين للتعطيل المتزامن، فإن أمن الطاقة الصيني نفسه يصبح رهينة صراع لا تتحكم بكين في أطرافه.
أوروبا بدورها لا تستطيع الوقوف خارج الأزمة. ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر سلاسل الإمداد من آسيا ينتقل إلى الأسعار والمصانع والمستهلك الأوروبي، ولذلك تطالب دول أوروبية بتوسيع الوجود البحري؛ فقد قالت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إن المهمة الحالية تحتاج إلى أكثر من عشر سفن حربية، بينما اعتبرت إيطاليا أن الموارد الحالية غير كافية.
أما إيران، فإن القيمة الاستراتيجية للحوثيين أصبحت أكبر من اليمن نفسه. فوجود قوة حليفة قادرة على الضغط عند باب المندب يمنح طهران أداة تأثير على خصومها من دون الحاجة إلى إدارة المضيق مباشرة. لكن لهذا النجاح سقفاً خطيراً: إذا تحول الحوثيون من ورقة ضغط إلى تهديد دائم للتجارة الصينية والمصالح الأوروبية والأمن الاقتصادي العربي، فقد تتشكل ضدهم دائرة مصالح أوسع كثيراً من التحالفات السابقة.
لذلك فالمرحلة القادمة قد لا تكون حرباً بين «الحوثي» والحكومة اليمنية فقط، بل سباقاً على إعادة فتح الخريطة البحرية للشرق الأوسط وكسر السيطرة الحوثية على باب المندب وتثبيت الجبهات البرية؛ الحكومة اليمنية ستحاول منع عزل تعز واستعادة المبادرة وهذا ما بدأ بالفعل خلال الآونة الأخيرة. والولايات المتحدة ستوازن بين دعم حلفائها وعدم الغرق في حرب يمنية مفتوحة؛ أوروبا ستزيد حماية الملاحة؛ الصين ستضغط دبلوماسياً على طهران؛ وإيران ستحاول الاحتفاظ بورقة الحوثيين من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى اصطفاف كامل ضدها. وفي الخلفية تتحرك تركيا وباكستان، حيث تؤكد التقارير أن أنقرة وإسلام آباد تقدمان أشكالاً من الدعم والمعدات من دون إعلان دخول مباشر في القتال.
وهنا تكمن أخطر دلالة لما يجري: الجغرافيا عادت سلاحاً. من يضغط على هرمز يؤثر في النفط، ومن يهدد باب المندب يؤثر في قناة السويس، ومن يضغط على قناة السويس يؤثر في أوروبا، ومن يرفع تكلفة الطريق بين آسيا وأوروبا يؤثر في الصين، ومن يجمع هذه النقاط في أزمة واحدة يستطيع أن يجعل دولاً تبعد آلاف الكيلومترات تدفع تكلفة حرب لم تدخلها.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.